إسلامياتفي الواجهة

آثار الشفاعة في الآخرة

لا خلافَ بين أهل السنة والجماعة على ثبوت الشفاعة في الآخرة، ووجوبِ الإيمان بها، وذلك لما تقدَّم من الآيات والأحاديث الواردة في إثبات ذلك، وبناءً على ذلك فإن للشفاعة آثارًا وفوائد في الآخرة؛ منها:

.رحمة أرحم الراحمين:

ويدل على ذلك إذنُه لمن شاء من خلقه بالشفاعة؛ النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والمؤمنون والشهداء وغيرهم، وشفاعته هو سبحانه كقوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾[سورة البقرة:255]، وكما ثبت في الصحيحين في الحديث الطويل وفيه: ((فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْحَيَاةِ فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)).

إن كثيرًا من عصاة المؤمنين يُغفر لهم قبل إدخالهم النار؛ إما بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإما برحمة الله عز وجل على عباده المسلمين، فيخرُج طائفة كثيرة من عُصاة الموحدين لا يعلم عدتَهم إلا الله تبارك وتعالى، وذلك برحمته لا بشفاعة الشافعين، وقد ثبت عند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة)).

..كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم:

في يوم القيام تظهر شفقةُ النبي صلى الله عليه وسلم بأمَّته ورحمته بهم، وذلك عندما يرى الناس في ذلك اليوم العصيب حين يَموج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتي الناس إلى آدم فيقولون له: اشفع لذريتك، ثم يأتون إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، ثم يُؤتى محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، فيستأذن على ربه فيُؤذن له، فيقوم بين يديه ويحمَده بمحامد يُلهمه الله، ثم يَخِر ساجدًا تحت العرش ويناجي ربه، فيقال له كما ثبت في الصحيحين: يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع لك، وسلْ تُعطه واشفع تشفَّع، فيقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبَّة مِن برة، أو شعيرة من إيمان، فأخرِجه منها، فأنطلق فأفعَل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يُسمع لك، وسلْ تُعطه، واشفع تشفَّع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال: لي فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأُخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفَّع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرِجه من النار، فأنطلق فأفعل، وفي هذا الحديث كذلك تتجلى أيضًا رحمة أرحم الراحمين تبارك وتعالى، وكمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، فيُخرج الله تبارك وتعالى من النار من كان في قلبه مثقال حبة مِن برة أو شعيرة من إيمان، ثم يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم يخرج من كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمانٍ، فلا يبقى في النار إلا من كان مشركًا بالله عز وجل، وذلك فضلُ الله.

..رفع درجات بعض أهل الجنة:

ومن آثار الشفاعة في الآخرة أن بعض أهل الجنة ترتفع منازلُهم، ودرجاتهم في الجنة، ذكرها ابن أبي العز في شرح الطحاوية كما تقدم.

..دخول قوم الجنة وقد استوجبوا دخول النار:

هذه الشفاعةُ يشفعُها النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن شاء الله تبارك وتعالى من المؤمنين، وتقدَّم قولُ ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: “شفاعتُه صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفَع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار ألا يدخلونها”.

وأنه لا يبقى في النار موحِّد، وإنما هي دارُ الكفار والمشركين بالله عز وجل؛ كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزِن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة)).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة”.

هذه آثار الشفاعة في الآخرة، وكلها من فضل الله وإكرامه على الخلق، وكلها بإذنه وتصرُّفه سبحانه، فهو رب كلِّ شيءٍ وخالقه، وكل شيء تحت تصرُّفه، إذا قال للشيء: كُن كان كما أرد، نسأل الله الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنِّبنا الزلل في القول والعمل، ونسأله أن يَمُنَّ علينا برحمته ويُكرمنا بفضله وواسع مغفرة، والحمد لله رب العالمين.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى