عاجل :
الرئيسية / إسلاميات / ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت

ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 51- 52].

أولًا: سبب نزولها:

روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات؛ منها: ما جاء عن ابن عباس أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف خرَجا إلى مكة في جمع من اليهود؛ ليحالفوا قريشًا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دُور قريش، فقال أهل مكة لليهود: إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم، فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعَلوا، ثم قال كعب: يا أهل مكة، ليجيء منا ثلاثون ومنكم ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت على قتال محمد صلى الله عليه وسلم، ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقًا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرِضوا عليَّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكرماء، ونسقيهم اللبن، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد صلى الله عليه وسلم فارَق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلًا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله الآية.

ثانيًا: بيَّن الله تعالى في الآيات الكريمة لونًا من رذائل اليهود وقبائحهم التي تدعو إلى مزيد من التعجيب من أحوالهم، والتحقير من شأنهم، إذ كيف يقولون لعبَّاد الأصنام أنتم والله أهدى سبيلًا مما عليه محمد صلى الله عليه وسلم، أم كيف يتعاهدون في البلد الحرام على قتال النبي عليه الصلاة والسلام، أم كيف سجدوا لصنمين وآمنوا بهما؟

ثالثًا: جاء دفاع الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآيات الكريمات ببيان كذب اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته ورسالته؛ حيث ادَّعوا أن أهل مكة أهدى سبيلًا منه، كما أوضحت وقوعهم في الكفر بالله تعالى حين سجدوا لصنمين وآمنوا بهما، وإليك بيان ما فيها من العلم الوفير وأوجه الدفاع عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم.

1- قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾:

والصواب من القول في تأويل ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم من حجر أو إنسان أو شيطان.

2- وقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾:

بيان لما نطقوا به من زُور وبُهتان؛ أي: ويقولون إرضاءً للذين كفروا وهم مشركو مكة، هؤلاء في شركهم وعبادتهم للجبت والطاغوت ﴿ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴾؛ أي أقوم طريقًا، وأحسن دينًا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، واللام في قوله ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لام العلة؛ أي: يقولون لأجل الذين كفروا، والإشارة بقوله: ﴿ هؤُلاءِ أَهْدى ﴾ إلى الذين كفروا.

♦ وإيراد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعنوان الإيمان، ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى، تعريفًا لهم بالوصف الجميل، وتحقيرًا لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات.

3- ثم بيَّن سبحانه مصيرهم السيئ بسبب انحرافهم عن الحق، فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾؛ أي: أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان، فأيَّدوا المشركين بالقول والعمل، وسجدوا لأصنامهم، وزكَّوا أفعالهم، أولئك الذين هذه صفاتهم ﴿ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾؛ أي: أبعدهم عن رحمته وطرَدهم، وأخزاهم بسبب كذبهم في حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن، ﴿ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾؛ أي: ومَن يلعنه الله ويبعده عن رحمته، فلن تجد له ناصرًا ينصُره، أو شفيعًا يشفع له، واسم الإشارة ﴿ أُولئِكَ ﴾ مبتدأ، والموصول وصلته خبر، والجملة مستأنفة لبيان حالهم، وإظهار سوء مآلهم.

شاهد أيضاً

حاجة الأمَّة إلى انضواء أفرادها تحت لوائها

إنَّ أشدَّ ما تكون إليه حاجة الأُمَّة اليوم هو انضواءُ أفرادِها تحت لوائها بحيث يمثِّل …