في الواجهةمقالات

أمنيات وتوقعات في زمن الثورة ذهبت أدراج الرياح

خالد بريش

غالبا ما تُخيِّب التوقعات والمراهنات في عوالم السياسة، آمال أصحابها. فلقد توقعت عشية مأساة استشهاد المأسوف على شبابه علاء أبو فخر، أن تكون جنازته في اليوم التالي، عرسا وطنيا. يمشي في مقدمتها كبار رجال الدين؛ مفتي الجمهورية، ومعه ثلة من العلماء والمفتين، وإلى جانبهم البطريرك والمطارنة. فيذكروننا مرة أخرى بجنازة المفكر الراحل أحمد فارس الشدياق، الذي تنازع المسلمون والمسيحيون يومها على أحقية الصلاة على جثمانه. وسبب توقعاتي، هو ما أراه يوميا على شاشات التلفزيون، وأقرؤه في صفحات الصحف حول ما يجري في ساحات الثورة، وكيف أن كل الأعلام قد اختفت من الساحات، ولم يبق إلا علم واحد، وهو علم الوطن. وأن كل المدن والقرى، من الأقصى إلى الأقصى، ترسل التحايا لبعضها، وتتضامن مع بعضها، وتشكل وفودا لزيارة بعضها، مؤكدة على وحدة وطنية، تخطت كل الحواجز الطائفية والمذهبية. وحدة وطنية بلا شك مقدسة، ومن أهم إنجازات هذه الثورة على الإطلاق، إن جنازة وطنية، لو تمت فعلا بالشكل الذي تصورته، للشهيد علاء هي حدث، سوف يتوقف عنده التاريخ. وتستظل تحته الأجيال، وبداية ليوم آخر من أيام هذا الوطن، يتم البناء عليه، كمنطلق نحو المستقبل… حدث سيوفر علينا، وعلى الوطن مسافات طويلة، يجب قطعها للوصول إلى الهدف، وبر الأمان، وبكل تأكيد، كان سيحد من توحش الطبقة السياسية وأطماعها، ويعجل في رحيلها، ولكن على ما يبدو، أن لرجال الدين في أوطاننا مصالح تتلاقى مع مصالح الطبقة الحاكمة، بل كلاهما ترجمة للآخر، ولم يشكل أحدهما يوما نقيضا فعليا له.

 

الثورات لا تضعف، بل يشتد عودها، وتزداد صلابة مع الأيام… وتصبح مطالبها أكثر وضوحا

 

وعندما رأيت الـ«البوسطة »، ذلك الرمز الذي أرادوا من ورائه، الإعلان للكبير قبل الصغير، إن البوسطة التي كانت بداية شرارة حرب أهلية، كلفت الوطن عشرات الآلاف من الشهداء والمعاقين، وفرقت بين أبنائه، ها هي تنطلق مرة أخرى، من شمال الوطن، لتصله بجنوبه، وتعيد اللحمة بين أبنائه، فتوقعت أن يكون من بين ركابها، بعض كبار رجال الدين، من كل الطوائف، أو على الأقل أن يتبنوها، ويعلنوا في بيان موحد، أن ركابها هم أبناء الله، والوطن، والرعية. فتمر في عرس وطني، من دون عوائق، ولا حواجز. ولا يترك للرعاع أمر التحكم في مسارها، وإيقافها عند الحواجز بحجج واهية، وأن لا تكون بوسطة واحدة، بل بوسطات عديدة، تضم: النخب المثقفة، وممثلي النقابات، والفعاليات التي على ما يبدو أنها ما زالت متخندقة طائفيا ومذهبيا. نعم كنت أتوقع ذلك، ونسيت أن الشعوب عندما تكون في حالة ثورة، تكون في واد، والمسؤولين من سياسيين، ورجال دين، في واد آخر. وتكون حدة الانكسار بينهم كبيرة جدا، فالبطريرك الراعي وضع خطا أحمر لحماية منصب طائفي. والشعب تخطى ذلك. وكثيرون من أبناء الطائفة نفسها، يرون أن من يحتل سدة هذا المنصب اليوم هو أحد أهم أسباب الفساد في هذا الوطن، خصوصا بعدما حول القصر لمزرعة، والدولة إلى إقطاعية، فوظف الأصحاب والأقارب، وأبناء العائلة والقبيلة، والمحازبين غير الكفوئين، وأنه أحد أهم المعنيين بشعار الثورة المقدس « كلن يعني كلن»…

كنت أتمنى، أن يكون للمثقفين على أنواعهم حضور أكبر، وأكثر فعالية. وأن يكونوا في المقدمة والصدارة، في ما لو حاول الغوغاء المذهبيون الموتورون، تكرار غزواتهم التي يصفونها بـ«المباركة» على ساحة رياض الصلح، أو على جسر الرينغ، والساحات الأخرى، وذلك ليستحقوا الحضور ساعة قرع أجراس الحسم والتغيير، الذي طالما نادوا به، ولكن للأسف اكتفى بعضهم بالتأييد من بعيد، وبعضهم الآخر بالتعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر بعض المقالات. وبعضهم ما زالت له حساباته السياسية والطائفية، وهم كثر، أو يخافون أن يؤثر انخراطهم الفعلي على الدعوات إلى مآتم الثقافة في الدول المجاورة. يقولون عن ساسة لبنان، إنهم «ثعالب» وآخرون يصفونهم بـ«الذئاب»، ولكن لأول مرة يراقب العالم أجمع، ما يحدث على الساحة اللبنانية بإعجاب، وكيف حجم الشباب الثوار هذه الطبقة السياسية التعيسة، ووضعوا قواعد جديدة للتعاطي معها، وكيف تخطوا فخا نُصب لهم بإحكام، عندما انتظر منهم الساسة تشكيل وفد أو لجنة تقابلهم، لكي يتم الضحك عليهم، وعلى ذقونهم، بوعود لا ولن ترى النور يوما، فالساسة لم يجيدوا قراءة فحوى شعار الثوار «كلن يعني كلن»، الذي يعني في ما يعني، عدم الاعتراف بهم وبشرعيتهم، وأن الجلوس معهم، يعني تناقضا مع طروحات التغيير، وأن «كلن يعني كلن» ليس مجرد شعار في تظاهرة، أو يافطة تعلق، بل هو تلخيص لقناعات عميقة، اختمرت في عقول هذا الجيل منذ ثلاثة عقود، نتيجة لمعاناتهم في الحصول على عمل شريف، وماء نظيف والكهرباء التي حَصْحَصَها الساسة، وتقاسموا قومسيوناتها في ما بينهم… ونتيجة لإقفال كل الأبواب في وجوههم، إلا باب الركوع لأرباب السياسة، وأيضا هي قناعات ورثوها في جيناتهم عن آبائهم الذين طالما حلموا بالتغيير.. ولأول مرة منذ الاستقلال، يشعر الساسة الثعالب الذئاب، أنهم محشورون في الزاوية، وفي «خانة اليك»، حتى في أحلك الظروف، خلال الحرب السوداء، لم يكونوا في مثل هذا الوضع، الذي لا يحسدون عليه، وأن الفجوة كبيرة بينهم وبين هؤلاء الشباب الذين يريدون شيئا واحدا، وهو استعادة وطن اختطفوه منهم. وسخروا كل ما فيه من خيرات وماء وشجر وحجر، من أجل مصالحهم الخاصة الضيقة. في الوقت الذي يريد الساسة، بقاء الحال على ما هو عليه، مع إمكانية منح بعض الفتات، وإطلاق بعض الوعود الواهية، التي بلا شك سوف تذروها الرياح.

وإن كان من كلمة أخيرة، فهي عبارات تطمين للساسة، تجار الأوطان والحروب. الذين يراهنون على ضعف الثورة ونبضها مع الأيام ملخصها، أن الثورات لا تضعف، بل يشتد عودها، وتزداد صلابة مع الأيام. وتصبح مطالبها أكثر وضوحا. وأن ما يُرْضي الثوار اليوم يُصبح غدا، أو بعد غد، وراء ظهورهم، وتتخطاه المواقف والأيام، وأن كل يوم يتأخرون فيه عن الإقرار بمطالب الشباب الثائر، سوف يكلفهم أكثر، وأن بيان الرئيس الحريري الإصلاحي، الذي أدلى به قبل استقالته، لا يمكن لأي حكومة مقبلة أن تتخطاه. ولا لأي سياسي أن يتجاهله، بل لا بد من تطبيقه أولا. ومن ثم البناء عليه بإضافة مداميك أخرى، ليكتمل بناء ديمقراطية حقيقية في هذا الوطن الذي سرقه ونهبه ودمره ساسته…

اليوم وبعد أكثر من شهر، لن يستطيع أي كائن، أن يقنع هؤلاء الشباب، بأن الأمور يجب أن تقف عند هذه الحدود، بعدما عشش في قلوبهم وعقولهم حلم «بكره أجمل».. وهم يعرفون جيدا أنه لا بد من الصمود، إلى أن يأتي هذا الـ«البكره»، الذي انتظروه وكل من سبقهم طويلا.

القدس العربي

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى