كتب

إدموند فانيون.. العربية من بطون الكتب وأفواه الجزائريّين

ما إن نشَر المستشرق الهولندي ر. دوزي (1820 – 1883) “تكملة المعاجم العربية” سنة 1882، حتّى اشتدّ وعيُ المعجميّين العرب والمستعربين بعدم مواكبة القواميس القديمة لما طرأ على الضّاد من تحوّلات طيلة العصور الوسطى، كأنّما توقّفت عند نقطة ما مِن الزمن حين ربطَت تدوين المفردات بالفصاحة معيارًا أوحد.
لذلك اجتهد بعضُ المستشرقين في إكمال ما ورد طيَّها بما سجّلوه هُم أثناء قراءاتهم من معانٍ حادثة لم تُحصها تلك القواميس. ومن بين هذه الأعمال، نذكر معجم إدموند فانيون (1846 – 1931)، المستعرب بلجيكي الأصل الحاصل على الجنسية الفرنسية، والذي تخصّص في ترجمة مؤلّفات الفقه الإسلامي بمدارسه الأربع، بعد أن تضلّع في الضاد والفارسية والعبرية في “معهد اللغات الشرقية” بباريس، وبعد أن اشتغل سنواتٍ عديدة في “مدرسة اللغات” بالجزائر العاصمة، أثناء الحقبة الاستعمارية.
ففي “تكميلات القواميس العربية” الصادر سنة 1923، جمع فانيون كلّ ما وقعت عليه يداه من المعاني التي لم تسجّلها القواميس السابقة ورتّبها في معجم صغير يتألّف من 193 صفحة. هذه “التكميلات” أشبه ما تكون بقاموس اصطلاحي ضمّ فيه طائفة من المواضعات التي اصطَلح عليها الفقهاء، والتي ربّما أغفلها المكنز القديم، لظهورها في مدوَّنات متخصّصة. ولذلك، فهي لا تُمثّل “تكملة” بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنّ الدلالات الاصطلاحية، الفقهية منها والحضارية، عزف عنها أهل اللغة باختيارهم وليس سهوًا ولا غفلةً عنها، بل لاعتقادهم الجازم أنّها تنتمي إلى ساحة العلوم، و”لِكُلّ علمٍ اصطلاحٌ خاصٌّ به”، كما يقول التهانوي (ت. 1158 هـ /1745 م)، صاحبُ “كشّاف اصطلاحات الفنون”؛ فمجالها المعاجم المختصّة، وليس القواميس العامّة.
صُنّفت مداخل هذه “التكميلات” حسب الترتيب الأبجدي للجذور العربيّة، وكانت هذه هي الطريقة السائدة آنذاك، فكان يذكر لكلّ جذرٍ بعض المشتقّات الحاملة لِمعانٍ جديدة، ويشرحها ويضع بإزائها شاهدًا يوثّق استخدامَها.
وقد ركّز فانيون على ألفاظ الحضارة التي ظهرت في فروع فقه المعاملات المالية والتجارية والعقّارية، فضلًا عن قسم الجنايات، وخاصّة “التعزير”، المنفتح على أشكال الفساد التي فشت في النسيج اليوميّ لمجتمعات المدن الإسلامية القديمة وأريافها، وهو ما أنتج عددًا كبيرًا من المفردات مثل “زَغل”.
وباعتراف فانيون نفسه، تتألّف مادّة الكتاب مما رصده هو أثناء مطالعاته في بطون الكتب الفقهية والتاريخية. بيد أنّه يشير إلى أنّ جلّها كان قد سُبق إليه، ولذلك لم يُدوّن من الدلالات إلّا تلك التي أغفلها سلفه، فجاء عمله تكملةً على تكملة، إمّا تأكيدًا لما ورد فيها أو تحقُّقًا منها وتصحيحًا لها من خلال الاستفادة من الملاحظات المطوَّلة والقيّمة التي ساقها المستشرق الألماني هنريش فليشير (1801 – 1888) حول دوزي. كما استفاد فانيون من معجم المستشرق الإنكليزي وليم لاين (1801 – 1876) الذي استعمله للتأكُّد من بعض السياقات التركيبية. نفس الشيء فعله مع قواميس الآباء اليسوعيّين الناشطين في لبنان، وقاموس مارسلان بوسيي (1821 – 1873) وغيرها كثير.
إلّا أنّ خصوصيّة هذه التكميلات، والتي تُميّزها عن سابقاتها، هي اعتمادُها الكلّي على مدوّنةٍ، بالمعنى الألسني الحديث للكلمة، قوامُها أكثر من خمسة وستّين كتابًا هي أمشاجٌ من عيون الأدب والتاريخ والفقه (ولا سيما في المذهب المالكي الذي تخصَّص فيه وفي نقل نصوصه إلى الفرنسية) والتفسير والسيرة النبوية، إلى جانب المعاجم المزدوجة والدراسات الاستشراقية. وقد خصّص فانيون لكلّ كتاب من كتب مدوّنته رمزًا اختزاليًّا مثل: AY لـ”كتاب” الخراج لأبي يوسف (731 – 798)، والذي استعمله في الإحالة على الشواهد التي تضمّنها معجمُه، فكان يورد اللفظة المشروحة وشاهدَها مع الرمز والصفحة في عمليّة توثيق تحرّى فيها الدقّة والضبط، وهي نفس الطريقة التي يعتمدها اليوم “معجم الدوحة التاريخي” في تعقُّبه لتطوّرات معاني الضاد، وتُعرَف هذه الطريقة باسم “قواميس المدوَّنة”، كما طورتها كورين لاندور؛ حيث يكون الرصد انطلاقًا من كُتب مضبوطة لا من افتراضات.
غير أنّ مدوّنة فانيون هي جزءٌ من الكتب العربية والغربية التي طبعت وسارت بدايةً من القرن الماضي، فتمكّن من الاطلاع عليها، وجلُّها مما طُبع على أيدي مستشرقين، وبعضُها يتضمّن بعض الملاحق الاصطلاحية الخاصّة بها. ولذلك، يُعدّ فانيون سبّاقًا في تأكيده ضرورة اعتماد الموارد المضبوطة لاستقصاء ما فيها من المعاني الواردة ضمن السياقات التداولية وليس ضمن تعريفات مسبقة أو دلالات متعالية يفرضها “أئمّة اللغة”.
وأسمح لنفسي، هنا، أن أنقل هنا النقد السديد الذي ساقه محمد الفاضل بن عاشور (1909 – 1970) في كتابه “ومضات فكر”، والذي وجّهه لــ”تكملة” دوزي المذكور أعلاه، حيث ذكر أنّ هذا الجمع هو مجرّد استعراض لقراءات الباحث وليس لتطوّرات اللغة العربية في حدّ ذاتها. وعلى سبيل المماثلة، وقعت هذه التكملة في نفس الخطأ.
واعتمد فانيون الثقافة الشفويّة الحيّة؛ إذ كان يتلقّف بعضَ المعاني من أفواه جزائريّين جديرين بالثقة، ويحدّد، على ضوء شهاداتهم، المجال الجغرافي لبعض الاستخدامات المخصوصة. كما أدمج العديدَ من المفردات المعرَّبة والدخيلة من الألسن الأعجمية وشرَحها ووثّقها، إلّا أنّ غالبها خرَج اليوم عن الاستعمال، وبات في حُكم المهجور المتقادم أو النادر الذي لم يُستَخدم إلّا في سياقات علميّة محدودة إثر ترجمة التراث الهلّيني الإغريقي الذي مدّ الضادّ في العصر الوسيط بكثير من المصطلحات، وقد تلاشى أغلبُها؛ مثل: “رستق”، و”بياغوري”، و”واريورو”… بيد أنّها تبقى مفيدةً في دراسة تاريخ اللغة وتحوّلاتها.

يُقرّ الكاتب نفسُه أنّه وقع في شيء من الاعتباطيّة في اختيار دلالات وإقصاء أُخرى، وأنّ إثباتها ليس باليسير، كما أكّد بعده علماءُ المعجم عُسر حصر المادّة الإدراكية والتصوّرية التي تحملها الكلمات على مدار التاريخ؛ حيث يغدو كلّ استعمال بمثابة توليد جديد لمعنى لم يكن. ولذلك، أدرج فانيون عمله كإضافة ومواصَلة لعمل سلفه دوزي، وأكّد، في مقدّمته، ألّا أحدَ سيكون قادرًا على الإحاطة بكلّ التطورات الدلاليّة التي شهدتها الضاد خلال القرون الماضية، بعد أن استقرّ معيارُ الفصاحة على مفردات بعينها، وباتت القواميس تُكرّر بعضَها البعض، دون الاستماع إلى نبض التاريخ الذي حمل عشرات المعاني المستحدثة بفضل احتكاك العرب بغيرهم من الأمم وظهور مقولات وأشياء جديدة لا صلة لها بالعالَم البدوي الذي ظهرَت فيه كلمات الصحراء ومعانيها.

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى