الجيل الثاني للدبلوماسية… تدافع الهويات في السياسة الخارجية

كتاب للأكاديمي والدبلوماسي العراقي ياسر عبد الحسين

ينطلق الكتاب من أولوية بناء السلام ومنع العنف، ومحاولة فهم الآخر، و”تحويل واستثمار الهويات كمصدر قوة للدول، من خلال توظيف إدارة التنوع بالطريقة المثلى”.
مشكلة الهوية هي مشكلة العصر، وثمة دراسات كثيرة في هذا الباب، مما يتناول الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، وبالطبع الثقافية والدينية. وأما الدراسات حول الهوية والسياسة الخارجية أو الدبلوماسية فتبدو “شبه منعدمة”، على ما يقول كتاب “الجيل الثاني للدبلوماسية: تدافع الهويات في السياسة الخارجية”، للأكاديمي والدبلوماسي العراقي ياسر عبد الحسين، ص 14. وقد أهملت مدراس ونظريات العلاقات الدولية موضوع الهوية لفترة طويلة.
يتناول هذا الكتاب مسألة أو إشكالية الهوية في السياسات الدولية اليوم، داخل الدول وفيما بينها، ويقدم قراءة معمقة للموضوع، ويقترح على الدبلوماسيين وفواعل صنع القرار المزيد من الاهتمام بموضوع الهوية، وتأسيس السياسات والدول على رؤية واقعية وتعددية للأمور.
“إن معظم أمراض السياسة الخارجية، مثل سوء التصور والإدراك وغيرها مبنية على قضية أساسية هي التجاهل من قبل صناع القرار لأهمية منظومة القيم والأفكار والمعتقدات والعادات الثقافية والاجتماعية وعموم التقاليد المشكلة والمكوّنة لهوية شعب ما أو هويات داخل شعوب ما، حيث الاعتقاد بأن جذور السياسة الخارجية ترجع إلى الداخل أكثر من الخارج”. ص 16.
ينطلق الكتاب من أهداف أو شواغل رئيسة لديه، تتمثل بأولوية بناء السلام ومنع العنف، ومحاولة فهم الآخر، و”تحويل واستثمار الهويات كمصدر قوة للدول، من خلال توظيف إدارة التنوع بالطريقة المثلى”. ص 17. وتمثل الهوية اليوم أحد مداخل صياغة السياسات الخارجية للدول، باعتبار الهوية الوطنية للفاعل، وهويات الأطراف التي يتجه إليها.
يقول الكتاب: إن الهويات هي “محركة الثورات والانتفاضات، مثلاً كانت الهوية المحرك الرئيس للثورات والتغييرات في منطقة الشرق الأوسط أو ما يسمى الربيع العربي 2011″، و”مصدراً للحروب في السابق واليوم/ مثلاً في لبنان المتنوع بالهويات والإثنيات كانت الهوية فيه المصدر الرئيس للحرب الأهلية”. ص24.
كما أن الهوية ومعارضة الاندماج كانتا “السبب الرئيس لمعارضة قطاع عريض من الدول الأوروبية لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي”. والهوية أحد مداخل أزمات طويلة انتهى بعضها بالانفصال كما هو الحال في جنوب السودان.
يكشف كتاب “الجيل الثاني للدبلوماسية: تدافع الهويات في السياسة الخارجية”، عن ثقافة واسعة، واهتمام بمتابعة التنظير لما يحدث في العالم. ثمة إحالات لعدد كبير من النظريات والمقاربات والمفاهيم والأحداث، وأسماء المنظرين والتيارات واتجاهات التفكير. وهذا يبرر إلى حد ما وربما يساعد في قراءة نص كبير الحجم، قارب الـ900 صفحة. ولولا أن الكاتب يهتم بتنويع وتلوين أسلوبه،  لكان من الصعب قراءة الكتاب، إذ أن الكتب كبيرة الحجم تتطلب رشاقة في الأسلوب تجعل بالإمكان البقاء معها فترة طويلة. وقد أحسن الكاتب ما فعل.
يتألف الكتاب من محاور بحث ومفردات رئيسة تتمثل في: الدولة من الليفياثات إلى مالتوس إلى غوغل، هل انتهى عصر الدولة؟ الجيل الثاني ودبلوماسية الميكرو، والداخل الخارجي أو الخارج الداخلي، فكر عالمياً وتصرف عالمياً. والهوية والبحث عن الذات، والهوية والسياسة الخارجية: عدسة بلا إطار. السياسة الخارجية: الديمقراطية واللا مركزية والأقليات. متلازمة الدولة: الهوية والأمن والقوة.
يتنقل في القسم الثاني من الكتاب للبحث في مسألة الهوية بالنسبة لـلولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيران والعراق وإسبانيا.
يدور جزء كبير من الكتاب حول إشكالية الدولة، والأسئلة التي تثيرها العولمة وتأثير التدفقات والتحولات العولمية عليها، وإذا كان ثمة تراجع للدولة وبروز للفواعل من غير الدول في العالم اليوم، وبتغير معنى الدولة والسلطة والسياسة الخارجية، وتزايد لا مركزة السلطات والتفاعلات الخارجية والدولية، مثل ظهور المدن والبلديات والنوادي والشركات وحتى الأشخاص على مسرح السياسة الدولية، وقيام فواعل من داخل الدولة نفسها، مثل الجماعات الإثنية والشركات الخ بتفاعلات خارجية.
تزايد قطاع أو حيز التفاعلات الدولية الذي لا تشغله الدولة، وعادة ما يقوم بمعزل عنها أو بالتوازي معها، وأحياناً مقابلها، مثل قطاع التدفقات المالية والإعلامية والهجرة والشركات. وثمة تقديرات بأن الدولة لم تعد كما كنا نعرفها، ولا الدبلوماسية أو السياسات الخارجية، وأن الدولة ربما شاخت، وقد تنتهي بـ”الموت” أو “إعادة الإنتاج” أو بروز “شكل جديد” لها. ولكن، ليس ثمة مؤشرات على بروز بديل للدولة يمكن التعويل عليه، كما يقول جون ميرشايمر. ص 67.
هذا ما يجعلنا نتساءل مع الكاتب: “هل عادت السياسة الخارجية مهمة في عصرنا الراهن؟ وهل هناك ما يعوّض عن هذا السلوك النظري والعملي مع الفواعل الدوليين، حيث تتحرك الدول في البيئة الخارجية وفق استراتيجية معينة تمثل الإطار الذي يحكم حركتها وهو يمثل مجمل حركتها على مستوى السلوك الدولي”. ص 76.
يتحدث الكتاب عن “الجيل الثاني للدبلوماسية”، مركزاً على “الدبلوماسية الرقمية”، ص 116. والمواطن الدبلوماسي، ص 122، ودبلوماسية الفواعل من غير الدول، ص 128، ودبلوماسية المنظمات الإرهابية، ص 129، و”الدبلوماسية الموازية”، ص 130.
“إن كل السياسات هي سياسات هوية”، ص171. وطالما أن ثمة مدارك ومستويات مختلفة للهوية لدى الفاعل: الفرد، المجتمع، الدولة، العالم، فهذا يعزز أولوية الهوية في التنظير للعلاقات الدولية والسياسات الخارجية حول العالم. ويبدو سؤال الهوية في مرتبة متقدمة في النقاش الدائر حول شكل العالم الان، واتجاهات تطوره المستقبلية. الجميع يسأل سؤال الهوية، الفواعل الكبيرة قبل الصغيرة، وفواعل الاقتصاد قبل الثقافة الخ.
يحيل الكتاب إلى المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم ونظريته حول “اختراع التقاليد”، ومنها اختراع أو هندسة الهوية وفكرة الدولة. وإذا كانت السياسات الخارجية للدول تتحرك في أفق مصالح وطنية، على ما يقول صموئيل هنتنغتون، ص 197، فإن السياسات الخارجية تُعرَف بالهوية وتُحدَّد بها. وهكذا، تمثل الهوية العدسة أو المنظار لدى صانع القرار من أجل فهم العالم.
وعلى الرغم من ولع الكاتب بمداخل التحليل في عالم ما بعد الحداثة، إلا أنه يؤكد في غير موضع من الكتاب، على أن المدرسة الواقعية هي “الأقرب إلى الاستقرار النسبي في تفسير الوقائع أو تحليلها”. ص 203. ويتابع نقاشاً موسعاً لنظريات وتيارات عديدة في فهم العلاقات الدولية، مثل البنائية، وما بعد البنيوية. ولكنه لا يلبث أن يطرح أسئلة مهمة في هذا الباب، يقول: هل نحن بحاجة إلى نظريات جديدة في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، ألا تكفي النظريات الموجودة؟”، ص 259. الواقع أن السؤال يتردد بشكل صريح أو مضمر في كل فصول الكتاب تقريباً، وهذا أمر مفهوم، لأنه هو الباعث الرئيس لكتابة الكتاب.
يلاحظ الكاتب أن ثمة 28 دولة فدرالية في العالم، فيها 40 في المئة من سكان العالم، يتعلق الأمر بأنماط من “اللا مركزية السياسية”، التي تختلف بين بلد وآخر، ص 315. لكن “اللا مركزية” إياها، تبرز في الدول الأخرى أيضاً، حيث تقوم مؤسسات ومنظمات حكومية وغير حكومية باتصالات واتفاقات مع مؤسسات نظيرة حول العالم. وهذا نوع من التفاعل الدولي الذي يمكن عده –بكيفية ما- “سياسة خارجية”. إنما ليس بالمعنى التقليدي الذي نعرفه، إنما بالمعنى الحداثي أو ما بعد الحداثي  الذي يقترحه الكاتب.
ويدخل في هذا الباب تفاعلات أكثر جدية وأكبر تأثيراً، مثل تفاعلات الجماعات الإثنية مع جماعات أخرى خارج الدولة. وهذا يفتح الباب على ظواهر عابرة للدولة، وتشكل ظاهرة عالمية. يتحدث الكتاب عن “قبائل كونية” تتخطى بسهولة “كل أشكال الحدود”، ص 339. وإذا كان على فواعل الحكم والسياسة أن يهتموا جدياً بالأمن والاستقرار واحتواء مصادر التهديد من هذا السلوك، فإن عليهم الاهتمام بإشراك الجماعات الإثنية بالدولة نفسها.
يقترح باري بوزان “توسيع جدول الأعمال المتعلق بالقضايا الأمنية عبر الانتقال من التركيز الصارم على أمن الدولة، أو ما يعرف بالأمن القومي إلى التركيز الأوسع أو البديل على أمن الأفراد، والحديث هنا عن الأفراد يعني التعامل إما كأفراد أو ككليات عالمية أو دولية”، ص 369.
..الهوية الأميركية 
يقول الكتاب، في فصل مهم عن الولايات المتحدة، ان “الهوية الأميركية في معمل اختبار كبير”، ص 427. وبدلاً من اكتمال أو نضوج المنتج، يبدو أن الأمور تسير باتجاهات اختلال أو اتساع يثير مخاوف متزايدة. وتمثل الظاهرة الترامبية (من دونالد ترامب) تظهيراً مهماً لمخاوف وتجاذبات كبيرة في الولايات المتحدة. وتحدث ترامب عن مخاوف على هوية أميركا، واتخذ إجراءات واتبع سياسات حيال الأميركيين الملونين والأميركيين من أصول مهاجرة الخ وعزز حساسية البيض في أميركا حيال ما هو “غير أميركي” وحيال الأميركيين الذين “يهددون هوية أميركا”. كما عبّر عن مخاوف على وحدة أميركا نفسها، من خلال تجاذبات ومؤشرات كيانية متزايدة، مثال كاليفورنيا، ص 455. ولو أن ظاهرة الرئيس باراك أوباما، تعزز تقديرات مختلفة، وتحيل إلى قابلية كبيرة لدى الأميركيين لهوية مركبة واندماج نشط للمهاجرين، ص 457.
ثمة هواجس مشابهة حول الهوية في روسيا، حيث تمثل استعادة نظام ودولة قويين مدخلاً لإثبات الذات، والتعبير عن هوية روسية قوية، ص 505. ومثل ذلك في إيران، حيث الجدل بين الدين والدولة، والثورة والدولة، والتداخل أو التماهي بين المعطي الديني (الشيعي) والمعطى القومي المركب أو المتعدد. وكيف مثلت الهوية واحدة من أبعاد الصراع مع السعودية، ص 639، ومع أميركا، ص 623.
…الهويات في العراق
وإذ يشهد العراق انفجاراً في الهويات، ص 651، وصراعاً على المعنى والقوة في الداخل، فإن الخارج يحضر بقوة في كل ما يتعلق بالعراق اليوم. وينعكس ذلك على السياسة الخارجية للعراق. ويمثل الكرد أحد النزعات الكيانية والهوياتية التي تتطلع للاستقلال، وتفكر بنفسها بوصفها “دولة مؤجلة”، ص 702.
ويتناول الكتاب مسألة الهوية في إسبانيا، وثمة القليل من الكتابة عن هذا البلد، والقليل القليل من المعرفة به، يقول: إن ثمة “تعثراً في صناعة الهوية الإسبانية”، بتعبير الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا، ص 758. و”كان النقاش حول الهوية الإسبانية معقداً بشكل خاص أثناء الانتقال إلى الديمقراطية، ومنذ ذلك الحين بسبب تراث الدكتاتورية حيث الهوية الأحادية القطب التي فرضها النظام قد سببت بتآكل شرعية القومية الإسبانية”، ص 761. وإذ يتعثر بناء هوية قومية إسبانية، فإن الإسبان يتعثرون أيضاً في مسار “الهوية الأوروبية”، ص 779.
ويتحدث الأكاديمي الإسباني أليخاندرو سيبولفيدا عما يسميه “”الاستثناء الإسباني” في صناعة هوية دولة رغم الصعوبات والفروقات الكبيرة في الديموغرافيا والاقتصاد والاجتماع، وكذلك وفرة الهويات الفرعية والخصوصيات الهائلة في عالم هوية اللغة، لكن هناك عجز في بناء الفكرة الإسبانية”، ص 798.
..مشكلات الجيل الثاني من الدبلوماسية
حاول الكتاب البحث عن “كلمة السر” في حل مشكلات “الجيل الثاني من الدبلوماسية”، المتمثلة في الهوية، ذلك أن السبب العميق لكثير من مشكلات العالم اليوم يتمثل في “أزمة التصور التي تجعل الرؤية غير واضحة” من قبل الدبلوماسيين والمستشارين وصناع السياسات، ص 827.
يختم الكتاب بالقول: “إن غبار الهويات متصاعد في سماء الثقافة الدولية، أصبح بشكل لا يطاق يسيطر على معظم التفسيرات العالمية وخصوصاً موجات الشعبوية التي تجتاح العالم اليوم”، ص 831. وهذا الغبار لن تكفيه “كمامة”، وإنما يتطلب من الدول “الاعتراف والتعامل بوعي عالي المستوى، من قبل صناع القرار”. ومن ثم فإن “عملية التوأمة بين الهوية والمصلحة هو أمر ضروري للوقوف على تفسير أطر السياسة الخارجية”، ص 831.
يدعو الكتاب الدبلوماسيين وصناع القرار “إلى إعادة قراءة العالم من زاوية الهوية بعيداً عن الملائكة والشياطين والخير والشر”، بل “فهم الواقع كما هو”. وما أصعبها من مهمة!
وكالات
Exit mobile version