ثقافة

الدكتورة نورة بوحناش تؤكد: “الحداثة التي جاء بها المستعمر الفرنسي كانت بشعة”

قالت الدكتورة نورة بوحناش أن الحداثة الجزائرية ارتبطت بالاستعمار الفرنسي، الذي اعتقد بأنه أدخل الحداثة للمجتمع الجزائري، وهو الذي سيخرج المجتمع الجزائري من التخلف إلى الحضارة، أما الجزائري يرى أن الحداثة التي جاء بها المستعمر كانت بشعة، كون أن هذا المستعمر قام بإبادة هذا المجتمع.

أوضحت الدكتورة نورة بوحناش خلال استضافتها بالمنتدى الثقافي الجزائري الافتراضي في مداخلتها التي جاءت تحت عنوان “التقنية والاغتراب الثقافي في مجتمعات الهامش” أن تطرقها لهذا الموضوع جاء باعتباره موضوع الساعة، فالإنسان المعاصر يهتم كثيرا بالتقنية، كونها أصبحت مفروضة على كل المجتمعات البشرية، كما اعتبرت بأن التقنية هي ثقافة، وهي مرتبطة أساسا بالحداثة وبالمجتمعات الغربية، وأما عن مجتمعات الهامش فاعتبرتها تعيش نوعا من الفوضى الثقافية، المعيارية، وحتى القيمية، كما أن هذه المجتمعات في حالة الصدام بين مختلف التقاليد من جهة -هذه التي أصبحت في زوال وفي حركة نحو الموت- وبين الحداثة التي تزاحم هذه المجتمعات دائما .

واعتبرت الدكتورة بخصوص قضية المركز والهامش بأن هذه الثنائية قد بحث فيها إدوارد سعيد من قبل، وهذا من خلال مطالبته الغرب بتفكيك المركزية الغربية، وبتأسيس نوع من الهجنة التي ستتلاقح فيها مختلف الثقافات، وكما أنها لاحظت أن المجتمعات الغربية هي مجتمعات قدمت السردية، وأن هذه السردية حاولت أن تؤكد التفوق الغربي، حتى وإن كانت قد نسبت إليها تاريخا مزيفا، إضافة إلى أن المركزية الغربية صورت العالم الغربي كمركز يتميز بكل خصائص التقدم والفوقية، وخصائص الإبداع، وأما المجتمعات المحيطة بالهامش فصورتها بأنها مجتمعات تتلقى دائما تأثيرات هذا المركز.

من جهة أخرى، اعتبرت الدكتورة أن الاستعمار في أصله ما هو إلا نتيجة للكوجيتو الذي قرن بين التفكير والوجود، بحيث صار عبره الفرد ينظر إلى الآخر على أنه هو الذي يحدد المعايير، وأنه إذا كان مجتمع الهامش لا يملك المعايير فأنه هو الذي سيفرض عليه هذه المعايير، كما أن الآخر أصبح موضوع للامتلاك، مثله مثل مختلف  مواضيع الطبيعة، ولهذا نظرت الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر إلى الآخر باعتباره قابلا للتجربة والاختبار.

إن المأزق الذي نتج عن هذه الأفكار هو ما ظهر من تراتبية، التي سعت إلى أن تجبر مجتمعات الهامش إلى البحث عن الارتقاء نحو مجتمعات المركز، بحيث راحت تلزمها على أداء الكثير من الواجبات باسم التقنية، وحسب الدكتورة فإن مصير سياسات الهامش كانت الفشل بحكم أنها لم ترتق إلى المركز، حيث أنها لم تتمكن من عيش ثقافة التقنية، زد على هذا فهي مجبرة على التأقلم معها رغم أن التقنية لا تهتم بثقافتنا بل تهتم بثقافة المركز.

اعتبرت الدكتورة بأننا مطالبون اليوم بالبحث عن ثقافة الذات، وكما ألحت على نقد هذا المجال، والنظر إلى التقنية نظرة فاحصة ونظرة نقدية، وأكدت أن التقدم يعيش في سياق تسارعي، وأن مجتمعات الهامش مضطرة إلى اللهث والجري كي تكون في مستوى مجتمعات المركز، هذا المستوى الذي لن تصل إليه بحكم أن هذه المجتمعات لن تمدنا بأسرار التقنية، وضربت مثالا بما يحدث بين أمريكا وإيران وصارعهما حول تقنية التسلح، وأما عن المجتمعات العربية فاعترفت بأنها ستبقى هامشية كونها تفكر في الآخر ولا تفكر في الذات، وقدمت مثالا حول الندوات العلمية التي تستحضر النظريات والأفكار الغربية، وهنا ذكرت بأننا نعيش مفارقة، وسبب هذا أننا لا ننتج الأفكار، ولكننا في المقابل نريد أن ننتج التقنية التي هي في أساسها تواكب الأفكار الغربية، كما أن إنسان الهامش من خلال إعادته ما أنتجه المركز فهو إنسان مقيد، كما اعتبرت أن الذي يدير العلاقة بين الهامش والمركز هي منطقة الاستهلاك .

وعن الحداثة ودور العولمة في تثبيت الإحلال الثقافي في هذه المجتمعات، قالت الدكتورة بأن استغلال التقنية لصالحنا يتطلب إنسانا، وأشارت في سياق حديثها إلى طه عبد الرحمان الذي تحدث عن الإنسان الميت، واعتبرت أن إنسان الهامش بما أنه يقلد ويتبع المركز فهو إنسان ميت، لأن روحه قد ماتت حسبها، مشيرة بأن ثقافة هذه الذات نلمحها في زوال وفي نهاية، كون أن الحداثة تمثل زمنا يحرك نفسه باستمرار، وبالتالي فهي ضد التقاليد، ولذلك فالمجتمعات الغربية صارت تقيم العلاقة انطلاقا من العقلانية، مؤكدة بأن الحداثة الجزائرية ارتبطت بالاستعمار الفرنسي، الذي اعتقد بأنه أدخل الحداثة للمجتمع الجزائري، وهو الذي سيخرج المجتمع الجزائري من التخلف إلى الحضارة، لكن الجزائري يرى أن الحداثة التي جاء بها المستعمر كانت بشعة، كون أن هذا المستعمر قام بإبادة هذا المجتمع.

وفي مداخلة له تساءل الأستاذ صالح دشوقي من لبنان  “من المسؤول الذي جعل الإنسان العربي يرضخ للتقنية”، ورأى بأننا أمام واقع مأزوم، والدليل أنه لا يمكن أن نتنقل بين بلداننا العربية إلا بعد شق الأنفس، وأضاف بأننا بهذا الواقع السياسي العربي لن نتمكن من مقاومة الحداثة الغربية ، مضيفا بأن الإنسان العربي ليس ضعيفا إلى الدرجة التي وصف بها، والدليل أن هناك من هاجر إلى الغرب ونجح هناك، كون أن هذه البلدان فتحت الأفق لهؤلاء عكس بلداننا التي أغلقت الأفق.

أما الأستاذ عبد المالك بلخيري فقد أشار في مداخلته إلى ضرورة تحديد ماهية الثقافة قبل وصف مجتمع الهامش، وتساءل عن وجود ثقافة أصلا داخل مجتمعاتنا العربية، وهل هناك أسئلة تحققت داخل هذه المجتمعات، كما دعا إلى تجاوز أسئِلة العقل المهزوم، وتطرق هنا إلى فكرة الإنسان المهزوم من منظور كانط .

من جانبه تحدث الدكتور محمد تحريشي عن التقنية واعتبر أن وراءها أفكارا،  وأنه إذا استطاعت مجتمعاتنا المزج بين الأفكار ورأس المال قد تتمكن من التقنية، كما اعتبر أن المركز والهامش مصطلحان ينطلقان من إشكالية تفسير التخلف، وتطرق كذلك إلى المصطلح الجديد الذي ظهر في الجزائر والمتمثل في (مناطق الظل)، وهو مصطلح حسبه يشير إلى التهميش أو المهمش، أما في الوطن العربي فقال بأن هناك حديثا على عالم منتج للقيم وعقل ممارس لهذه القيم، ورأى أن العالم العربي إذا ما تحول إلى منتج للقيم فسيحدث طفرة نوعية قد تؤدي إلى تقدمه، أما الدكتور عبد القادر فيدوح فقد تطرق إلى علاقة مجتمع الهامش بالاستهلاك، وتوقف تحديدا على ثقافة التسوق التي اعتبرها نمط حياة، ووصف المركز بالإنسان الأرقى الذي يصنع السلع، وأما التسوق حسبه فهو يصنع الهامش ويصنع الإنسان المغلوب على أمره، كما اعترف بوجود جيل جديد بدأ يتشكل في الكرة الأرضية.

للإشارة، تحصلت الدكتورة نورة بوحناش على دكتوراه دولة سنة 2007، وفي رصيدها عدة منشورات أهمها “إشكالية القيم في فلسفة برغسون”سنة 2010، “الشاطبي قراءة معاصرة لنص قديم” سنة 2011،” الأخلاق والحداثة” سنة 2012، “الأخلاق والرهانات الإنسانية” سنة 2012، “العلم وجدل القيمة في الفكر الغربي المعاصر” سنة 2014، “الاجتهاد وجدل الحداثة” سنة 2016، “البيوطيقا والفلسفة من الإنسان الفائق إلى الإنسان المتزكي” سنة 2017، كما شاركت في كتب جماعة عديدة ومقالات في المواقع الجامعية.

نسرين أحمد زواوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى