كتب

الدولار عملة أمريكا ومشكلة العالم

"النقود والإمبراطورية" رحلة تأملية في عقل الاقتصادي تشارلز كيندلبرغر

ما من اثنين في مصر الآن إلا ومن حديثهما نصيب للدولار، فمهما يكن موضوع الحوار فلا بد من التطرق آجلاً أم عاجلاً إلى هذه الورقة الخضراء، سواء كان الحوار في متجر بقالة لشراء البيض أو في ورشة صغيرة لتغيير إطارات سيارة أو في معرض فخم حول عقار، أو لدى ناشر يشكو جنون سعر الطن من ورق الطباعة.

كل الطرق في ما يبدو تفضي إلى الدولار وذلك لأن الأيام القليلة شهدت قراراً حكومياً بخفض قيمة الجنيه المصري، فإذا بسعر صرف الدولار يقفز قفزة غير قليلة، وإذا بأسعار الواردات أولاً ثم كل السلع تالياً تقفز هي الأخرى قفزات صاروخية. ووسط هذا الغضب على الدولار يصادف كاتب هذه السطور مقالتين كان ينبغي أن يجد فيهما شيئاً من العزاء.

..أفول الدولار

وكتب الصحافي جان كريكن الذي عمل لوسائل إعلام يابانية عدة هاتين المقالتين ونشرهما على يومين متتابعين في موقع “آسيا تايمز” وتنبأ فيهما بأفول عهد الدولار بوصفه عملة العالم الأكثر شيوعاً في شتى المعاملات العالمية، بل إنه مضى في نبوءته إلى حد الإيحاء باحتمال الرجوع إلى التداول بطريقة أو بأخرى بالذهب، مثيراً في نفوس بعض قرائه خيالات الرجوع إلى عالم أبسط، وأقل شبهاً بتشكيلات الدومينو التي يكفي أن تقع منها قطعة حتى تتهاوى جميعاً.

يقول كريكن إن العالم شهد على مدى السنوات الـ 500 الماضية ظهور سلسلة من العملات التي سيطرت على اقتصاد العالم، فكانت عملة جديدة تخرج من أوروبا كل 100 عام تقريباً لتعتلي العرش وتحيل عملات العالم من حولها إلى وصيفات وخدم أو عدم، ففي أثناء قرون الكولونيالية الطويلة المظلمة نالت عملات البرتغال وهولندا وفرنسا وإنجلترا أدوارها، وكان دأب تعاقب العملات على عرش اقتصاد العالم أن تكون سيطرة كل عملة جديدة مصحوبة بحروب أو باضطرابات كبيرة.

ويرى كريكن أن الدولار الأميركي الذي تحققت له السيطرة طوال معظم القرن الـ 20 وحتى الآن يدنو “من نهاية دورته” التاريخية الطبيعية، وأن التهديد الذي يزعزع عرشه يأتي حالياً من الصين التي تقود جهوداً لإنشاء نظام نقدي مواز من شأنه، كما يقول كركين، أن يقسم العالم.

ويرصد الكاتب في مقالتيه مؤشرات أقام على أساسها نبوءته، فمن هذه المؤشرات مساعي تجمع الـ “بريكس”، ومن أعضائه الصين والبرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا، أي قرابة 41 في المئة من سكان العالم، إلى استعمال مقايضات بهدف تجاوز النظام الدولاري المهيمن في العالم، ويتوقع أن يستقر تجمع الـ “بريكس” عما قريب على عملة أو سلة من عملات البلاد المشاركة لتكون بديلاً للدولار، بل إنه يتوقع مشاركات محتملة من بلاد في أفريقيا وأميركا اللاتينية والوسطى ومن الشرق الأوسط.

ونظراً إلى سيطرة هذه البلاد والبلاد التي يتوقعها على إنتاج النفط واستهلاكه، “فلن تسيطر ’بريكس‘ فقط على سوق النفط العالمية وإنما أيضاً على عدد غفير من السلع من قبيل القمح والسماد والمعادن الصناعية واليورانيوم والذهب”.

..عملة العالم

وعلى رغم المؤشرات التي يرصدها جان كريكن لأفول عصر الدولار الأميركي من ارتفاع إجمال الدين العلمي إلى ذرى لا يمكن التعايش معها، والتوترات السياسية العالمية المحتدمة التي تجعل بعض كبار بلاد العالم راغبة بشدة في الاحتياط لاحتمال التعرض لعقوبات أميركية وغربية بالتبعية في حال خروجها عن المسار المعين لها، على رغم ذلك كله يكتب بيتر كوي في “نيويورك تايمز” في الـ 16 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مقالة تقول بعكس نبوءة كريكن بالضبط.

وتأتي مقالة بيتر كوي استعراضاً لكتاب “النقود والإمبراطورية: تشارلز بي كيندلبرغر والنظام الدولاري” للكاتب بيري ميهرلنغ، وقد صدر الكتاب قبل أسابيع في 310 صفحات عن مطبعة جامعة كامبريدج.

وعلى رغم حداثة صدوره فهو يرد ضمن قائمة الأكثر مبيعاً في فئة كتب الاقتصاد بموقع “أمازون”، ومؤلف الكتاب هو أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بكلية “فردريك إس باردي” للدراسات العالمية في جامعة بوسطن الأميركية، ويتعقب في كتابه تطور النظام الدولاري العالمي من الناحيتين السياسية والاقتصادية في القرن الـ 20 من خلال عدسة تتمثل في حياة شخص واحد ومسيرته المهنية، وذلك الشخص الذي يتقاسم عنوان الكتاب جنباً إلى جنب مع الدولار والنقود والإمبراطورية هو تشارلز كيندلبرغر.

يقول ميهرلنغ إن بعضهم سيقرأون كتابه هذا كما لو أنه ترجمة لحياة رجل متحقق مثير للاهتمام، وإن آخرين سيرون الكتاب “تاريخاً بدلاً لتطور النظام الدولاري العالمي”، والحقيقة أنه كان يخطط في الأساس لتأليف كتاب يكون بمثابة سيرة للدولار نفسه، وإنه شرع في ذلك بالفعل، “ثم وجدت تشارلي [أي تشارلز كيندلبرغر] وأدركت أنني يمكن أن أقيم الكتاب كله حوله، فذلك يتيح لي أن أعثر على عقل أدخل إليه وأرى العالم عبر عينيه”، فمن يكون ذلك الرجل الذي يصلح تأمل حياته مدخلاً لتأمل الدولار بل النظام الدولاري، بل بطريقة أو بأخرى الاقتصاد العالمي كله كما بتنا نعرفه.

 

..الذهب يتعزز مع تراجع التوترات والتركيز على رفع الفائدة

تشارلز كيندلبرغر عالم اقتصادي أميركي مرموق قضى عقوداً في التدريس بمعهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا، وهو من أرقى المؤسسات العلمية والتعليمية في الولايات المتحدة والعالم، فكان من جملة تلاميذه فيه روبرت ماندل الحاصل مستقبلاً على “نوبل”، ولتشارلز كيندلبرغر كتاب معروف على نطاق واسع هو “الهوس والذعر والحطام: تاريخ الأزمات المالية” وقد صدر عام 1978. لكن هذا الكتاب في تقدير بيتر كوي “لم يكن غير شذرة من حياته المهنية الطويلة، فلقد ولد الرجل عام 1910 وعمل بالحكومة خلال فترة الكساد الكبير، وكان محللاً لدى المخابرات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك كان مهندساً لخطة مارشال التي ساعدت في إعادة إعمار أوروبا الغربية، ودرس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا متفرغاً في الفترة من 1948 إلى 1976.

ويصفه ميهرلنج بأنه جنتلمان أشيد به في عيد ميلاده الـ 80 بوصفه أحب علماء الاقتصاد، وتوفي عام 2003”.

لكن على رغم المحبة التي تمتع بها فقد شهدت حياته المهنية خوض معارك فكرية كبيرة، كان خصومه في بعضها قامات من قبيل ميلتن فريدمان النقدي العظيم الحائز على “نوبل” في الاقتصاد سنة 1976، كما كان خصومه في بعضها الآخر هم خصوم لفريدمان من أتباع المذهب الكينزي الذين اختلفوا مع كيندلبرغر بناء على خوفهم ألا تستطيع البلاد تعديل سياساتها في الإنفاق والضرائب وفق الظروف الداخلية، إذا تحتم عليها أن تحافظ على ارتباط عملاتها بالدولار، وتلك كانت دعوة كيندلبرغر ورؤيته، فقد كان يؤمن بضرورة أن تكون للعالم عملة واحدة، هي الدولار طبعاً، وإيمانه هذا هو الذي جعله، في ما يقول بيتر كوي، غريباً على الوسط الأكاديمي الذي قضى عمره في رحابه.

يقول بيري ميهرلنج إن كيندلبرغر كان “لديه من الواقعية ما جعله يلاحظ أن السياسات الوطنية [لبلاد العالم المختلفة] تمثل عقبة” في طريق الاقتصاد العالمي، فأراد وسيلة تتيح تجاوز هذه السياسات المحلية أو تسمح بالالتفاف عليها، ويضيف ميهرلنغ في حوار أجري معه حديثاً أن صعود الدولار في العالم كان وراءه أشخاص سعوا إلى العثور على “عملة واحدة يمكنهم العمل بها عالمياً”، وذلك ما حدا بكيندلبرغر إلى الظن بأن سيطرة الدولار على العالم “هي منتهى التطور” وغايته المأمولة، أو لعلنا نقول إنها نهاية التاريخ بالمعنى الفوكويامي.

يكتب بيتر كوي أن “في العالم أكثر من 100 عملة من الـ ’كوانزا‘ الأنغولية إلى الـ ’نغولترم‘ البوتاني إلى الصم الأوزبكي إلى الـ ’فاتو‘ الفانواتوي”، ويتساءل “هل هذا عدد مناسب للاقتصاد العالمي؟” يجيب قائلاً “لا ليس كذلك، فتعدد العملات المتقلبة التي لا يمكن التنبؤ بها وهو يثبط التبادل التجاري والاستثمار بإضفائه قلقاً على القرارات الاقتصادية، وكان تشارلز كيندلبرغر يرى أنه يجب أن توجد عملة عالمية واحدة، ورشح لذلك الدولار الأميركي، إذ ذهب إلى أن التجارة والاستثمار العابر للحدود والرخاء ستزيد إذا ما قامت جميع الأمم بأحد أمرين، إما أن تتبنى الدولار مثلما فعلت الإكوادور على سبيل المثال، أو تربط عملاتها بالدولار عند سعر ثابت، وهو ما يؤدي إلى الأثر نفسه تقريباً، وقد نال ما تمناه جزئياً”.

خلافا إذاً لنبوءات جان كريكن ومؤشراته وتمنيات ربات البيوت المصريات وأمثالهن في شتى أرجاء العالم النامي، نال تشارلز كيندلبرغر ما تمناه تقريباً، “فالعالم اليوم أقرب إلى رؤيته مما كان يمكن أن يتخيل هو أو خصومه الفكريون، فعلى رغم أن نصيب الولايات المتحدة من الناتج المحلي العالمي تقلص منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية، يستمر الدولار في لعب دور مهيمن في التدفقات المالية، وقد جاء في تقرير صادر عن بنك التسويات الدولية في عام 2020 أن “قرابة نصف القروض البنكية العابرة للحدود وسندات الدين الدولية مقومة بالدولار”، وليس هذا وحسب، فقد قال التقرير إن قرابة 60 في المئة من الاحتياطات الأجنبية الرسمية بالعالم هي احتياطات دولارية، وأن قرابة 85 في المئة من معاملات الصرف الأجنبي تتم بالدولار في مقابل عملة أخرى”.

غير أن تحقق رؤية كيندلبرغجر لم تتحقق في سلاسة، فالطريق كما يقول ميرهلنج “لم يكن ممهداً”، ولكن كيندلربغر “كان يستشرف المستقبل والمستقبل هو العالم الذي نحن فيه الآن”، ولعل من أكبر العقبات التي بدا أنها واجهت رؤية كيندلبرغر أن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسن اتخذ عام 1971 قراراً راديكالياً بفك ارتباط الدولار الأميركي بالذهب، وأعلن أن الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) سيتوقف عن تحويل الدولار إلى ذهب، كما أعلن التخلي عن مساعي تثبيت أسعار الصرف، وبهذا لم يعد الدولار مدعوماً إلا بالثقة وبقوة اقتصاد الولايات المتحدة.

وفي تلك الأثناء قال وزير الخزانة الأميركي جون كونالي للعالم الذي أزعجه ذلك القرار وأثار تخوفاته، إن “الدولار عملتنا لكنه مشكلتكم”، فبدا أن أي أمل في تحقق رؤية كيندلبرغر قد تحطم.

يقول بيتر كوي إن كيندلبرغر وصف تخلي نيكسون عن الدور المركزي الأميركي في النظام النقدي العالمي بـ “الجريمة” وتخوف من أن يؤدي عدم استقرار أسعار الصرف إلى تقليل استثمارات البلاد الثرية في البلاد الفقيرة بسبب عدم اليقين والاضطراب إلى أن تجف تماماً على المدى البعيد، ولكن ما أعقب ذلك لم يكن ما تخوف منه كيندلبرغر، فقد استمر للولايات المتحدة ودولارها دور مركزي في النظام النقدي العالمي، وبقي الدولار عملة العالم، بل لقد “أصبح الاحتياط الفيدرالي عملياً البنك المركزي للعالم، فحينما يرفع أسعار الفائدة بقوة مثلما يفعل حالياً، تتجه بنوك مركزية أخرى إلى اتباعه في هذا”، بحسب ما يكتب كوي.

 

ولعل هذا يفسر كلمة “الإمبراطورية” الواردة في عنوان الكتاب، إذ يقول بيتر كوي إن كلمة “الإمبراطورية” عند ميهرلنج تشير إلى أيام كانت بريطانيا تسيطر على بحار العالم ومحيطاته، والجنيه الاسترليني يلعب الدور الذي يلعبه الدولار اليوم تقريباً، غير أن الفارق كما يرى كوي هو أن الإمبراطورية البريطانية كانت بالفعل كذلك، فلم يكن المصرفيون في لندن يجدون أدنى غضاضة إذ يشملون بقروضهم الشركات البريطانية العاملة في المستعمرات، لأنها كانت خاضعة للقانون البريطاني، “فكان ذلك يمكّن المستعمرات من التطور، وإن كان ذلك تحت السطوة البريطانية”.

أما الولايات المتحدة فسيطرتها أقل على المقترضين في الأسواق الناشئة، وكان هدف كيندلبرغر هو الفوز بمغانم الإمبريالية للاقتصاد من دون الجانب السلبي لها سياسياً واجتماعياً، بحسب ما كتب ميهرلنج، ولم تكن الأداة إلى تحقيق ذلك أساطيل وجيوشاً على طريقة الإمبراطوريات القديمة، وإنما هي أوراق نقدية تغني عن ذلك.

ولذلك فإن من أبطال كتاب “النقود والإمبراطورية” بول فولكر الذي ترأس الاحتياط الفيدرالي منذ 1979 إلى 1987، وهو يظهر في الكتاب ظهور الأبطال لعمله مع غيره من المصرفيين المركزيين ومسؤولي التمويل من أجل استئناف التعاون الدولي بعد صدمة نيكسن سنة 1971.

وليس فولكر وحده البطل عند ميرهلنج، فللرجل تعليقات إيجابية للغاية عن رئيس الاحتياط الفيدرالي الحالي جيرومي باول الذي أكد مراراً وتكراراً خلال الشهور الأخيرة أن تكليف الاحتياط الفيدرالي الصادر عن الكونغرس ينص على التركيز على هدفين اثنين وحسب، هما التوظيف الكامل واستقرار الأسعار، وليس من أهدافه أن يعمل من أجل رفاهية بلاد العالم الأخرى.

يقول باول هذا وهو على علم تام بأن قرارات الاحتياط الفيدرالي الأميركي وأفعاله تؤثر في بقية العالم وتضيره. وعلى رغم إقرار ميهرلنج بأن رفع الاحتياط الفيدرالي لأسعار الفائدة في الفترة الأخيرة أمر مؤلم، بخاصة للأسواق الناشئة، لكنه في رأيه سيهيئ الأوضاع لنمو أفضل على المدى البعيد، وقال “أعتقد أن باول قام بعمل عظيم”، وذلك لأن الغاية التي قد تتصدر الكتاب والكتابة هي أن تسويد الدولار على العالم فيه خدمة لاقتصاد العالم، ولتدفق الاستثمارات من البلاد الأكثر ثراء إلى البلاد الأكثر فقراً، لكن الغاية الحقيقية هي أن الدولار ينبغي أن يكون أو يبقى عملة العالم وإن أضار ذلك بالعالم، لأن في ذلك خدمة لمصالح الإمبراطورية في المقام الأول أو حتى الوحيد.

ويشير بيتر كوي في مقالته عن “النقود والإمبراطوية” إلى مفهوم اقتصادي يمكن ترجمته إلى المنطقة المثلى للعملة، وهي نظرياً يجب أن تكون ضخمة مثل منطقة اليورو، بحيث تشمل كثيراً من النشاط الاقتصادي المنوع، ولكن بشرط ألا تبلغ من الضخامة حد أن تشمل بلاداً متفاوتة النظم، فتحتاج من ثم إلى سياسات اقتصادية مختلفة، وهذا هو المطلوب نظرياً لعملة مشتركة، وهذا ما يحدد حجمها المثالي، لكن بالنسبة إلى كيندلبرغر فما من منطقة أضخم مما ينبغي، ولقد رأى الرجل أن العالم كله يصلح لأن يكون منطقة مثلى للدولار، ويبدو أن العالم أيضاً قبل هذه الرؤية، أو رضخ لها كرهاً لا طوعاً، أو ذلك ما يبدو قائماً حتى الآن.

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى