إسلاميات

السرور والبشر في فضائل أيام ذي الحجة العشر

من باب التذكير ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾، [الأعلى: 9]، ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، نحن قد أقبل علينا شهر كريم، شهرُ اجتمع فيه ركنٌ من أركان الإسلام وهو الحج، وأوَّل هذا الشهر؛ العشر الأوائل منه تكون فريضة الحج، ويتمُّ الحجّ فيه، لهذه الأيام التي تبدأ بذي الحجة، وربما تكون بعد يومين، هذه الأيام أيام سوق للباحثين عن الصدقات، والباحثين عن الحسنات، للباحثين عن الثواب من الله سبحانه وتعالى، سوق فيه السرور والبشر في بيان فضائل أيام العشر.

العمل والعبادة في هذا الأيام الـعشر من ذي الحجة؛ لها فضائلُ وأحكامٌ لا توجد في غيرها من الأيام، أقسم بها الله سبحانه وتعالى في كتابه فقال: ﴿ وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]. وفسرها بعض العلماء، وكثير من المفسرين، فسروا وليال عشر بأنها عشر ذي الحجة؛ فإنها ليالٍ مشتملةٌ على أيام فاضلة، ويقع فيها من العبادات والقربات ما لا يقع في غيرها.

ففي أيام عشر ذي الحجة؛ الوقوف بعرفة، الذي يغفر الله فيه لعبادهِ مغفرةً يحزَنُ لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقرَ ولا أدحرَ منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزُّلِ الأملاك والرحمةِ من الله لعباده، ويقع فيها كثيرٌ من أفعال الحجِّ والعمرة، وهذه أشياء معظَّمة، مستحقَّةٌ لأن يقسم الله بها. [بتصرف من تفسير السعدي (ص: 923)].

وذكَرَ الله رب العالمين هذه الأيام وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]، قَالَ الْبُخَارِيُّ (ج2 ص20): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: ﴿ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾، أَيَّامُ العَشْرِ.

فماذا قال عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم، هذا ما ثبت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ”، فَقَالُوا: (يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟!) قَالَ: “وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”، [(خ) (969)، (د) (2438)، (ت) (757)، (جة) (1727)، (حم) (1968)].

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ”، قَالُوا: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ؟!) قَالَ: “وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا مَنْ عَفَّرَ وَجَهَهُ فِي التُّرَابِ”، [أخرجه البزار كما في كشف الأستار (2/ 28، رقم: 1128)، انظر صَحِيح الْجَامِع: (1133)، صَحِيح التَّرْغِيبِ: (1150)].

هذا لا يعادله شيء من الأعمال الأخرى.

أيامُ العشر هذه أيامُ عبادةٍ وطاعةٍ وذكر لله سبحانه وتعالى، قال سبحانه في الآية السابقة: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ… ﴾ [الحج: 28]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ أَيَّامُ العَشْرِ. وَالأَيَّامُ الـمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.

فهذه الأربعةَ عشَرَ يوما كلُّها ذكرُ لله سبحانه وتعالى، أيام فيها ذكر لله هناك ذكر مطلق، وهناك ذكر مقيد.

ففي الثمانية الأولى يكون ذكرٌ عام مطلق، أي قبل يوم عرفة، من الأول من ذي الحجة حتى الثامن من ذي الحجة، هذا الذكر فيه عام، ومطلق، هذا ما ثبت عَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ”، -إذن ما هو العمل؟ قال-: “فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ”، [(حم) (6154)، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ: (1248)].

وَعَنْ عمرو بن دينار قال: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما، يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا). [صححه الألباني في الإرواء: (651)، وقال: ذكره البخاري في صحيحه (2/ 381) في العيدين، باب فضل العمل أيام التشريق معلقا مجزوما به. أ.هـ].

(وَ) كذلك (كَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ)، ليس خلف الفريضة فقط، في هذه الأيام في كل وقت اذكر الله يا عبد الله.

كذلك من الذكر المطلق، ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم يدلُّ ويرشد من أراد أن يذكر هذا الذكر في هذه الأيام الثمانية من هذه الأيام العشر، وهو ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلاَ شَيْءَ بَعْدَهُ»، [(خ) (4114)، (م) 77- (2724)].

ومن الذكر المطلق تلاوةُ كتاب الله، تقرأ من كتاب الله ما تيسّر، أو تحزِّبه إلى أجزاء فتقرأ كل يوم عدة أجزاء، ومن الذكر المطلق؛ الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الذكر المطلق في هذه الأيام الثمانية؛ الدعاء والاستغاثة واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.

هذه الأيام الثمانية، أما الأيام الخمسةُ الباقية ففيها ذكرٌ مقيَّد، معين مخصوص نص عليه السلف من الصحابة رضي الله عنهم، هذا يبدأ من فجر يوم عرفة الذكرُ المخصوصُ المنصوصُ عليه، إلى آخر أيام التشريق، بعد صلاة العصر من اليوم الرابع من أيام العيد، فَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قال: (كَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه، يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ بَعْدَ الْعَصْرِ). [(ش) (5631)، (ك) (1114)، (هق) (6070)، وصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: (653)].

وَعَنْ الأَسْوَدِ رحمه الله قَالَ: (كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ) -يوم- (النَّحْرِ، يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ). [(ش) (5633)، وصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: (654)].

وفي اليوم التاسع من ذي الحجة، الذي نبدأ فيه بالتكبير من فجره، وهو يوم عرفة، خصّه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بعبادة الصوم من بين العبادات، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ”، [(ت) (749)، واللفظ له، (م) 196- (1162)، (د) (2425)، (حم) (22621)].

فالصوم مؤكد في يوم عرفة لغير الحجاج الواقفين بعرفة، والصوم من باب الأعمال الصالحات في الأيام الثمانية.

أما اليوم العاشر من ذي الحجة، فهو يومُ عيد الأضحى، يومُ النحر، يوم لا يجوز صيامه، لكن فيه عبادة الذكر، وعبادة النحر، وعبادةُ النسك، وعبادة التقرُّبُ إلى الله سبحانه وتعالى بالذبائحِ والأضاحي، فقد ضحَّى صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين موجوءين صلى الله عليه وسلم ضحى الأول عن نفسه وآل بيته، والثاني عن من لم يضح من أمته، فقد ثبت أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ضَحَّى؛ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ، سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوئَيْنِ)، قَالَ: (فَيَذْبَحُ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلَاغِ، وَيَذْبَحُ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ)، [(حم) (25843) وهذا لفظه، (جة) (3122)].

لذلك هذه القُرْبَةُ لا يجوز أن يؤخذ منها شيء مقابل وثمنا للذبح أو السلخ أو التقطيع، يعني لا يجوز أن تعطي الجلد أجرة للذابح والجزار، وهذا ما ثبت عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: (أَهْدَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِائَةَ بَدَنَةٍ)، -ذبح يوم الحج عن نفسه مائة، بنفسه ذبح ثلاثا وستين بدنة، وأكمل البقيةَ عليٌّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، مائة يقول علي-: (فَأَمَرَنِي أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ)، -أي: على النياق التي ذبحها، (وَأَمَرَنِي أَنْ أَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ)، -حتى ما يوضع على البعير، حتى ما يوضع على فم البعير من الزمام ونحو ذلك، كل ما على البعير يوزعه، وما ذبح كله يوزع للمساكين، قال-: (وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا)، -لا يعطى أجرةً من اللحم أو من الجلد، أو ما شابه ذلك لا يُعطَ الجازر منها شيئا، أعطه الأجرة من غيرها، وهذا ما قاله علي رضي الله عنه-، وَقَالَ: (نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا)، الحديث بزوائده: [(خ) (1707)، (1717)، (1718)، (م) 348، 349- (1317)، (د) (1769)، (جة) (3099)]. أي: ليس من الذبيحة، نحن نعطيه من عندنا.

فهذه الأيام التي فيها الذكر المطلق تبدأ من يوم الأحد ربما، وتنتهي في الثامن من ذي الحجة، ثم بعد ذلك يكون الذكر المقيد، الذكر المقيد هو: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)، من فجر عرفة إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق.

ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام، والتي فيها اتباع لهدي محمد عليه الصلاة والسلام، وهي خاصة بمن أراد أن يضحيَ إما بسبع بقرة، أو سبع بعير، أو بشاة، أو نحو ذلك لمن أراد أن يضحيَ خاصة، أن يمسك عن شعره وظفره في هذه الأيام العشر، طاعةً لرسول الله، من الأعمال الصالحات التي تعادل الجهاد في سبيل الله.

هذا ما ثبت عند مسلم وغيره عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم قَالَ: “إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ” -يعني ثبت أن غدًا الأول من ذي الحجة-، “وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ”، كان ناويا الأضحية سواء اشتراها أو لم يشترها بعد، المهم عنده نية التضحية، (فَلَا يَأخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ”) الحديث بزوائده: [(م) 41، 42- (1977)، (ت) (1523)، (س) (4361)، (د) (2791)].

يعني صبيحة يوم العيد بعد الصلاة، وبعد ذبح الأضحية يزيل شعره، ويزيل ما شاء من أظافره اتباعا لهديه صلى الله عليه وسلم، فنحن كلنا أهل السنة والجماعة، أهل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب السمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما نتمناه من الجميع إن شاء الله سبحانه وتعالى، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، ولكل ما يحبه الله.

فلا تنسوا ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام وأكثروا من الأعمال الصالحات في هذه الأيام بشتى أنواعها؛ لأنها تعادل الجهاد في سبيل الله، تعادل المجاهد الذي رجع، وليس المجاهد الذي استشهد.

 

الحياة العربية

يومية جزائرية إخبارية تنشط في الساحة الاعلامية منذ فجر التعددية الإعلامية في الجزائر وبالتحديد في أواخر سنة 1993.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى