مقالات

الصيني يدق أبواب الشرق الأوسط

صادق الطائي

فتح توقيع طهران على الاتفاقية الاستراتيجية مع بكين يوم 27 مارس الماضي، الباب واسعا لعودة الحديث عن تمدد التنين الأصفر في المنطقة، وبات الحديث عن اتفاقية (مبادرة الطريق والحزام) الصينية أكثر تفصيلا، ويبدو أن الاتفاقية الإيرانية ـ الصينية، وضعت حيز التنفيذ تزامنا مع تراخي قبضة إدارة بايدن تجاه العقوبات التي كانت تنفذها إدارة ترامب على إيران والمتعاونين معها.

وقد علقت جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض على سؤال حول رد الفعل الأمريكي على أنباء الاتفاق الأخير بين طهران وبكين بقولها «سننظر ما إذا كانت هناك عقوبات يمكن تطبيقها بعد الشراكة بين الصين وإيران، لكننا لم نطلع بعد على تفاصيل الاتفاقية بين إيران والصين».

وقبل الخوض في تفاصيل الاتفاق الاستراتيجي الأخير، الذي وقع بين إيران والصين قبل أيام، لابد من تقديم نظرة أولية عن الخطط الاستراتيجية الصينية التي باتت تعرف باسم (مبادرة الحزام والطريق) التي يصفها الإعلام العالمي بأنها محاولة إحياء لطريق الحرير التاريخي الذي ربط تجاريا وثقافيا شرق آسيا بوسطها وربطهما بأوروبا .

الاب الروحي لهذا المشروع الاستراتيجي هو الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ، الذي بشر بمبادرة ربط العالم اقتصاديا وثقافيا، وتحدث عن رصد 3.67 تريليون دولار من الاستثمارات الصينية، يمكن أن تصرف على إنشاء وتطوير البنى التحتية في الدول التي ستنظم إلى المبادرة، سواء في (الحزام) وهو الطريق البحري الرابط بين الصين وأوروبا مرورا بقناة السويس، أو (الطريق) وهو المسار البري المعروف تاريخيا بطريق الحرير. المحللون الغربيون نظروا إلى الأمر على إنه قفزة التنين الصيني الذي استفاق، وسيحاول الخروج من قمقمه ليتمدد وينشر هيمنته الاقتصادية، وما سيتبعها من هيمنة عسكرية في مختلف دول العالم، كما أعتقد بعض المحللين، أن تعاونا بين روسيا والصين مقبل لا محالة لتكوين قوة عالمية تواجه الولايات المتحدة في ساحات الهيمنة العالمية. وذكر تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في أيار/مايو2019 «إن الصين ستسعى إلى إنشاء قواعد عسكرية إضافية في البلدان التي تربطها بها علاقة ودية طويلة الأمد، ومصالح استراتيجية مماثلة، مثل باكستان، التي استضافت من قبل جيوشا أجنبية». كما يدور حديث في وزارة الدفاع الأفغانية عن مفاوضات الصين مع أفغانستان من أجل بناء قاعدة عسكرية في جبال واخان قرب الحدود بين البلدين، بهدف منع دخول مقاتلين متشددين إلى أراضيها، ومساعدة جارتها في الوقت نفسه. وتوقع المراقبون الأمريكيون أن تشمل المواقع المستهدفة للقواعد العسكرية الصينية الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ، حسب وزارة الدفاع الأمريكية. بالعودة للحديث عن الاتفاقية الإيرانية الصينية، يمكننا القول إن الدولتين وقعتا اتفاقية تعاون مدتها 25 عاما لتعزيز علاقتهما الاقتصادية والسياسية، هذه الاتفاقية رسم لها المخططون مسارا لتكون طويلة الأمد، وتبلغ قيمتها 400 مليار دولار. ويرى المراقبون أن الاتفاقية مثلت طوق النجاة الذي قدمته بكين لإنقاذ طهران وانتشالها من حالة الدمار الذي سببته عقوبات ترامب الاقتصادية. ومن ناحية أخرى أشار المراقبون إلى ازدياد اعتماد إيران على الصين، التي تقدم لها شريان حياة اقتصادياً حيوياً وسط العقوبات الأمريكية، ما يؤدي إلى تعميق نفوذ الصين في الشرق الأوسط، وتقويض الجهود الأمريكية الرامية إلى إبقاء إيران معزولة بسبب النزاع الذي لم يتم حله بعد بشأن برنامج طهران النووي.

تشير مراكز الدراسات إلى أن بدايات العمل على المعاهدة الإيرانية الصينية تعود إلى كانون الثاني/يناير 2016 اثناء زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لطهران، إذ طرحت حينذاك فكرة مشاركة إيران في (مبادرة الحزام والطريق) واتفقت الدولتان على توسيع التجارة بينهما إلى 600 مليار دولار في السنوات العشر المقبلة، كما قدمت الحكومة الصينية قرضا بقيمة 10 مليارات دولار للشركات الصينية لبناء السدود ومولدات الطاقة والبنية التحتية الأخرى في إيران. وكانت إيران تحاول أن تتنفس الصعداء بعد توقيعها على الاتفاق النووي مع مجموعة دول (5+1) وتعمل على تهيئة البلد للانفتاح والاستثمارات الدولية التي حرمت منها طوال عقود بسبب العقوبات الأمريكية. لكن انسحاب الرئيس ترامب السريع من الاتفاق في مايو 2018 وفرضه عقوبات مشددة على طهران ومن يتعامل معها أصاب الاتفاق الصيني الإيراني بالشلل.

اللافت للنظر أن بنود الاتفاقية الجديدة لم تعلن بشفافية، وإن الشعب الإيراني لا يعرف تفاصيل الاتفاق، الذي يوصف بالاستراتيجي، والذي سيستمر لمدة ربع قرن من الاحتكار الصيني لقطاعات مهمة من الاقتصاد الإيراني، وقد أوضح تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» قبل أيام جاء فيه، إن «المعاهدة قد تعمق النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، وتقوض الجهود الأمريكية لإبقاء إيران في عزلة» وكانت الصحيفة قد نشرت تفاصيل الاتفاقية بين الصين وإيران العام الماضي، واشارت إلى أن 400 مليار دولار استثمارات صينية، تم تخصيصها للإنفاق في عدد من المجالات، منها الصرافة، والاتصالات، والموانئ، والسكك الحديد، والرعاية الصحية، وتكنولوجيا المعلومات، وسيتم تنفيذ هذه المشاريع في الـ 25 عاما المقبلة. كما أن مجلة «بتروليوم إيكونوميست» كانت قد نشرت في أيلول/سبتمبر 2019 بعض بنود هذه الاتفاقية بين بكين وطهران، استنادا إلى مصادر غير رسمية. وقالت المجلة الشهرية، إن الصين تعتزم استثمار 280 مليار دولار في صناعة النفط والغاز الإيراني و120 مليار دولار في قطاع النقل، مقابل أن تحظى الشركات الصينية بالأولوية في تنفيذ مشاريع البنى التحتية الإيرانية. لكن كل هذا لا يعني أن الإيرانيين متفقون على الترحيب بالاتفاقية الصينية الإيرانية، إذ أشار عدد من المصادر إلى تشكيك المحافظين بالاتفاق الصيني، وعدم ترحيبهم به، ويذكر أن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، قد كشف في حزيران /يونيو 2020، جزءا من الاتفاقية التي وصفها بـ»السرية» وقال، إن «الأمة الإيرانية لن تعترف باتفاق سري جديد مدته 25 عاما بين إيران والصين» محذرا من أن أي عقد يتم توقيعه مع دولة أجنبية من دون أن يعرف الناس عنه، سيكون باطلا. ويثير بعض المحافظين الشكوك حول البنود السرية في الاتفاق الصيني الإيراني، إذ أشاروا إلى خطط سرية لتأجير جزيرة كيش في الخليج العربي، وتزويد السلطات الصينية بفرصة نشر قواتها في إيران، ومنح الصينيين السيطرة التامة على النفط والغاز الإيراني والاستحواذ عليه بأسعار مخفضة جدا. لكن حكومة روحاني نفت كل هذه الإشاعات، وقد صرح وزير الخارجية محمد جواد ظريف سابقا بهذا الخصوص قائلا،» لا الحكومة الحالية ولا أي حكومة أخرى ستسلّم شبراً واحداً من الأراضي الإيرانية لأحد».

من ناحية اخرى شكك بعض الباحثين بإمكانية تنفيذ الاتفاق الصيني الإيراني في حال انفراج العلاقات الإيرانية الغربية، إذا تم تطبيع مشكلة الاتفاق النووي، لذلك استعجلت بكين بتوقيع الاتفاق قبل الانفراج النهائي لعلاقات إيران مع مجموعة دول (5+1) لكن من جانب أخر أشار عدد من الباحثين الإيرانيين إلى الدور الصيني الداعم للاقتصاد الإيراني في أحلك الظروف التي مرّ بها أثناء تحمله ضربات حزم العقوبات القاسية التي فرضها الرئيس ترامب. فبينما تخلى الأوروبيون عن طهران، خوفا من تهديدات ترامب، التزم الصينيون بالتعاون التجاري مع إيران حتى النهاية، وهذه النقطة تمنحهم أولوية في ثقة صانع القرار الإيراني باعتماد العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. فكيف سينعكس تأثير الاتفاق الاستراتيجي الجديد على الوضع الإيراني؟ هذا ما ستبينه الايام المقبلة.

 

القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى