مقالات

العرب والمرغوبية المجتمعية

د. محمّد النغيمش
يقول الراحل د. غازي القصيبي: «من سلبيات الشخصية العربية، أنها لا تهتمُ بالفعل نفسه بقدر ما تهتم برَد فعل الناسِ نحوه، لا يهمُ أن ترتكبَ ذنباً، المهمُ ألا يعرفه الناس»… ويقول الأديب الراحل نجيب محفوظ في إحدى روائعه: «لست نادماً على شيء إلا على أيامي التي لم أعشها كما أُحب خشية من كلام الناس».
الإنسان لديه ميل فطري نحو «تلميع» صورته. فإذا ما سألته عن دخله الضئيل بالغ في تضخيمه، وإذا ما رمق في نظراتك شكاً في أمانته أو صدقه سطر لك ملاحم الورع والنزاهة. وذلك ليحظى بالقبول الاجتماعي.
في العلوم الإنسانية، هناك مفهوم «المرغوبية الاجتماعية» (social desirability) ويظهر جلياً عندما يجيب المرء عن نفسه في استبانة تصف شخصيته أو قدراته أو مهاراته (self – report). وإذا ما سألت أقرانه أو نظراءه أو زملاءه تباينت الآراء بدرجة أو بأخرى بخلاف ما كان يفخمه. وتظهر عدد من الدراسات أن الرجال أحرص على رفع المرغوبية المجتمعية بقدراتهم مقارنة بمعشر النساء. وعندما تأملت الشخصية العربية القيادية في إحدى دراساتي، وجدت مبالغة ملحوظة في وصف أسلوبها القيادي مقارنة برأي المرؤوسين فيهم.
وربما يعود سبب مبالغة الإنسان في قدراته إلى صورة وردية ليست موجودة سوى في مخيلته. ولذلك يقول عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي، «كلما ازداد الإنسان غباوة… ازداد يقيناً بأنه أفضل من غيره في كل شيء». وقد يكون سبب اهتمامنا بالآخرين منصباً على الاختلاف. فتجد البعض يدافع بشراسة عن اختلافه الاجتماعي والفكري عن الآخر. وهو ما أثار عجب د. الوردي أيضاً بقوله «ليس العجيب أن يختلف الناس في ميولهم وأذواقهم، ولكن العجب أن يتخاصموا من أجل هذا الاختلاف».
ولو انشغلنا بعيوبنا أكثر من عيوب الآخرين وتجميل صورتنا الزائفة لتخطينا حواجز الزمن نحو غد أفضل. من هنا نفهم قوله تعالى في محكم تنزيله «إِن اللهَ لاَ يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ».
مشكلتنا أننا «نلهث» وراء «إرضاء الناس»، وننسى أنها «غاية لا تدرك». فالإنسان (كما قال الوردي) «مجبول على أن نسيان مساوئه وتذكر محاسنه تذكراً لا يخلو من مبالغة».
الشرق الأوسط اللندنية 

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى