كتب

“القضايا الاجتماعية الكبرى” لـ عبد الرحمن الشهبندر.. السياسة من منظور ثقافي

مع نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، تقاسمت القوى الاستعمارية الأوروبية البلدان العربية التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية، ولم تكن تمتلك الحركات السياسية الناشئة – بغض النظر عن توجهاتها – خبرة ومعرفة كافيين في مواجهة تساؤلات كبرى تتعلّق بالهوية والتحرّر الوطني والدولة الحديثة التي يناضلون من أجل استقلالها.

يبرز هنا اسم عبد الرحمن الشهبندر الذي تمايز عن مجايليه من النخبة السورية، بتفاعله مع الأحداث وبناء مواقفه ووجهات نظره من منظور المثقف لا السياسي، كما ضمّنها في مذكراته ومقالاته التي واظب على كتابتها طوال عقديْ العشرينيات والثلاثينيات، وناقش خلالها مسائل لم تلق اهتماماً لدى رجالات الحركة الوطنية وأوسعها نقاشاً وتحليلاً، مثل العائلة وعلاقتها بتشكّل المجتمع والدولة والمرأة والدين والمدنية كمفهوم وممارسة.

في الطبعة الثانية من كتابه “القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي”، الصادر حديثاً عن سلسلة “طي الذاكرة” في “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، تُستعاد المقالات التي مثّلت دراسات مطوّلة ومعمّقة نشرها تباعاً في مجلة “المقتطف” القاهرية قبل أن يجمعها في كتاب صدرت طبعته الأولى عام 1936.

انخرط الطبيب والمنظّر السوري (1879 – 1940)، منذ بدايات نشاطه السياسي ضمن الجمعيات التي نادت بالاستقلال عن العثمانيين، وكان أول الرافضين مع يوسف العظمة للاحتلال الفرنسي الذي وافقت العديد من القيادات السورية على صيغة “الانتداب مع احتفاظ البلاد باستقلالها الداخلي”، ليشكّل بعدها العقل المدبّر للثورة السورية الكبرى التي انطلقت من جبل العرب عام 1925، ويضطر للانتقال إلى المنفى المصري بعد الحكم عليه بالإعدام، والذي أمضى فيه قرابة العقد ليعود منه عام 1937 إلى دمشق، ليقود مرحلة جديدة من النضال ضدّ المعاهدة التي وقّعتها “الكتلة الوطنية” مع الفرنسيين حتى اغتيل في عيادته.

بمعنى أدقّ، فإن الشهبندر وضع أفكاره من موقع المعارضة التي أرسى خلالها نموذج المثقف في مواجهة السلطة، وربما يجدر التوضيح أن مترجم كتاب “في السياسة الدولية” لدليزل بورنس (نقله في السجن عام 1922)، ينتمي إلى عائلة دمشقية فقيرة لم تحظ يوماً بمكانة ونفوذ اجتماعيين، أو بوافر مالٍ يؤهّلها لتدريس ابنها الطب في “الجامعة الأميركية” ببيروت.

كما أن انتسابه إلى حلقة الشيخ طاهر الجزائري التي ضمّت أصحاب التوجّهات الإصلاحية من رجال دين ومثقفين كان يعني في تلك المرحلة الالتحاق بصفوف الأقلية التي رفضت استمرار الخلافة منادية بدولة عصرية قائمةٍ على المواطنة والديمقراطية في وجه أكثرية اصطفت مع الحكم العثماني، ورغم تسلّمه حقيبة الخارجية في حكومة المملكة السورية العربية التي أعلنت عام 1918، إلّا أنه كان من أشدّ المعارضين لكثير من آراء الأمير فيصل بن حسين في السرّ والعلن.

عكست جميع تلك المواقف راديكاليةً وعناداً أبداهما الشهبندر، سواء في مقاومة المستعمر كما سيتضح في مرحلة لاحقة، أو في مقارعة الأفكار الرجعية ضمن العديد من المعارك والسجالات التي خاضها ضدّ قوى اجتماعية محافظة وتقليدية، واستغلها خصومه في السياسة لتأليب عامة الناس عليه بتوجيه انتقاداتهم نحو علمانيته الصريحة، حتى أنها كانت السبب الأساسي وراء اغتياله، بحسب معظم الذين تناولوا سيرته.

انطلاقاً من هذه الخلفيات التي كوّنت شخصيته، توجه إلى قرّائه تستبدّ به رغبة كبيرة في تطوير الوعي ليأخذ المواطن دوره في الحياة السياسية، مؤمناً بأن الوصول إلى تلك الغاية يلزمه تقديم مطارحات فكرية واضحة ومباشرة تجاه مسائل تخصّ علاقة الفرد بمجتمعه وبدولته، بحيث تساهم في تسييسه واشتباكه في الفضاء العام.

لم تفترق مقالات الشهبندر كثيراً عن خطاباته التي كان يلقيها بكثافة في دمشق والمدن السورية، فرغم أنه كان يلقي خطابين وثلاثة في الأسبوع الواحد، إلا أنه لم يكن يكرّر فيها مرافعاته واقتباساته، متبنياً منهجية علمية في تقديم حججه وبراهينه التي يغرفها من قراءاته المتعدّدة في الفلسفة وعلم النفس والطب والعلوم والأنثربولوجيا والتراث العربي، بل يمكن القول إن هذا الكتاب يعدّ في عدد من فصوله بحوثاً مؤسّسة في العلوم الاجتماعية.

في مقاله الأول الذي يحمل عنوان “المدنية”، يعرّف المدنية على أنها “حالة من الثقافة الاجتماعية تمتاز بارتقاء نسبي في الفنون والعلوم وتدبير الممالك”، ثم يخوض في أدوارها الثلاثة عبر التاريخ الإنساني لافتاً إلى أن الدستور يأتي كتوطئة لدخول الدور الثالث، بعد دور أول كان فيه الإنسان خرافياً منهمكاً في عبادة الأبطال ودور ثانٍ بدأ الأنسان بحثه في ما وراء الطبيعة.

ويضع الشهبندر على رأس أولويات مجتمعات الشرق “تحرير بلادنا من أيدي الأجنبي”، وهو لا يفصل طلب الحرية عن الحاجة إلى “إصلاحات اجتماعية من الطراز الأول” تتعلّق من وجهة نظره بالأسرة والدين والأخلاق والوطنية والحكومة والعلم والاقتصاد وغيرها، لأن “الحرية من غير هذه الإصلاحات مهددة بالخطر”؛ خلاصة تبدو راهنة حتى يومنا هذا في ظلّ تعاقب المشاريع في السلطة بين رؤيتين، الأولى تقدّم التحرر على التحديث مثلما دعت معظم الأنظمة القومية بعد الاستقلال، وثانية أولت التحديث على السيادة والاستقلال مثل دولة محمد علي باشا، وكان الإخفاق نتيجة محتمة في كلا الحالتين.

ووضع أيضاً تنظيراته حول طبيعة نظام الحكم الذي تتطلّع إليه الشعوب العربية، من خلال نقاشه المفصّل تحت عنوان “حاجتنا إلى التجانس”، الذي بيّن فيه ضرورة إزالة الفروق بين الجماهير العربية، وهو بذلك يحاكي تجارب الدول المعاصرة، مستشهداً ببلدان مثل تركيا وألمانيا وإيطاليا، حيث التحديث تفرضه السلطة من علٍ، مؤكداً على ذلك بقوله “لقد أيدنا حكومة القاهرين بالمعنى السياسي والاجتماعي الحديث لتسيير الناس إلى الأمام بالقوة وتحول دون تفتتهم وتطبع في نفوسهم احترام الدولة…”.

تبنّى الشهبندر نموذج “المستبد العادل” باعتباره شكل الحكم الملائم لبلادنا العربية، ومنها العراق وسورية على وجه التحديد، ما يلفت إليه الباحث صقر أبو فخر في تقديمه الكتاب، لكن الأهمّ من ذلك هو نموذج السياسي المثقف الذي قدّمه المؤلّف في جملة مداولاته للشأن العام، والذي يفتقده المشهد العربي في فصل تعسفي بين السياسة كفعل وممارسة وبين الفكر كمؤطر لها طوال عقود مضت.

الحياة العربية

يومية جزائرية إخبارية تنشط في الساحة الاعلامية منذ فجر التعددية الإعلامية في الجزائر وبالتحديد في أواخر سنة 1993.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى