مقالات

تايوان كنز تقني

علي العبدالله

لم تكن جزيرة تايوان ذات شأن قبل انتقال قيادة الحزب القومي الصيني (الكومينتانغ)، وقوات الجيش الوطني الثوري، بقيادة تشيانغ كاي شيك، إليها، إثر هزيمته الساحقة في الحرب الأهلية أمام قوات الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ في عام 1949 وتأسيس جمهورية الصين الوطنية. وقد كبرت قيمتها السياسية والجيوسياسية على خلفية انفجار الحرب الباردة بين القطبين الدوليين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ووقوف جمهورية الصين الشعبية إلى جانب الأخير، ما دفع الأول إلى دعم الصين الوطنية وتسويقها في المنظمات الدولية ممثلاً للشعب الصيني، بما في ذلك احتلالها مقعد دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، باعتبارها من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.

استمرت العلاقة الأميركية التايوانية قوية وراسخة إلى عام 1961، عندما وقعت القطيعة بين الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، وبدء مساعٍ أميركية لاستغلال الخلافات العقائدية والقطيعة السياسية لإشراك الصين الشعبية في تطويق الاتحاد السوفييتي ومحاصرته، ما رتب تخفيف الدعم للصين الوطنية، وصولاً إلى قبول استبدالها بالصين الشعبية عضواً دائماً في مجلس الأمن، يوم 25 أكتوبر 1971، وزيارة الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، بكين في 21 فبراير 1972، وإقامة علاقات دبلوماسية معها في مارس 1979، مع الالتزام، مثل بقية الدول، بسياسة “صين واحدة”، والاعتراف ببكين فقط حكومة شرعية، والدخول في شراكات اقتصادية وتجارية معها.

وقد شهدت العلاقات الأميركية الصينية نمواً وتوسّعاً إلى درجة انخراط الولايات المتحدة في مشروع تطوير قدرات الصين الشعبية الصناعية والاقتصادية وتحسينها، بعد تبنّي الأخيرة خيار الانفتاح على العالم، في ظل قيادة دنغ شياو بنغ، عام 1978، لتعزيز موقفها في مواجهة الاتحاد السوفييتي ودفعها إلى الليبرالية من خلال النمو الاقتصادي.

لم تنجح المراهنة الأميركية على تحوّل الصين الشعبية إلى نظام ديمقراطي تعدّدي من خلال النمو الاقتصادي، حيث بقيت الأخيرة ملتزمةً توجهات الحزب الشيوعي الصيني وخياراته الرافضة الانفتاح السياسي والتعدّدية السياسية والحريات العامة والخاصة التي تنطوي عليها أدبيات حقوق الإنسان. وقد تجلى ذلك في ردّها على التظاهرات الطلابية في ساحة تيان آن من عام 1989 التي قتل فيها حوالى عشرة آلاف متظاهر، وقد تكرر المشهد في التعامل مع تظاهرات هونغ كونغ عامي 2019 و 2020، احتجاجاً على التراجع عن سياسة “دولة واحدة ونظامان” وفرض قوانين البرّ الصيني على الجزيرة. وقد زاد التنافس سخونة وحدة إطلاق الصين مبادرة طريق الحرير، المعروفة إعلامياً بمبادرة الحزام والطريق، عام 2017 والبدء باختراق الأسواق في أكثر من مائة دولة عبر تمويل البنى التحتية، طرق، جسور، موانئ، سكك حديد، إلخ، وتقديم قروض ميسّرة عبر “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية” الذي أسّسته عام 2014 برأس مال قدره مائة مليار دولار. وهذا دفع الولايات المتحدة إلى مراجعة سياستها إزاءها، والبدء بعملية احتواء واسعة باعتبارها أولوية مطلقة للسياسة الخارجية، وتعديل استراتيجيتها بالتركيز على آسيا عبر تعزيز الوجود العسكري فيها وفي محيطاتها وإطلاق مبادرات لتشكيل تحالفات اقتصادية واسعة مع دول حوض المحيط الهادي، لمحاصرتها وعزلها والحدّ من قدراتها على التمدّد وتسجيل نقاط لمصلحتها على ساحة التنافس الاقتصادي. وقد نجحت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، عام 2016 في عقد اتفاقية “الشراكة العابرة للمحيط الهادي”، تغير اسمها إلى “الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادي”، مع كل من أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام لمواجهة التمدّد الصيني في اقتصادات المحيط، انسحب منها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عام 2017 على خلفية تبنّيه استراتيجية “أميركا أولاً”، من دون أن يتخلّى عن محاصرة الصين وعزلها دولياً، حيث انخرط في معركة تجارية معها تحت شعار تعديل الميزان التجاري بين البلدين، وفرض ضرائب ورسوم جمركية على أصناف محدّدة من صادراتها إلى الولايات المتحدة، الألومنيوم والحديد بشكل خاص، وألزمها شراء سلع أميركية بمائتي مليار دولار، ولاحق نشاطاتها الاقتصادية في الدول، وقاوم نشر شبكاتها من الجيل الخامس، شبكات الهواتف الخلوية التي تزيد سرعة الاستجابة لتحسين أداء تطبيقات الأعمال والتجارب الرقمية الأخرى، سرعة قصوى نظرية تبلغ 20 غيغابايت في الثانية، وزيادة مرونة الخدمات اللاسلكية، وفرض عقوبات على شركة الهواتف الصينية العملاقة هاواوي، بما في ذلك وقف بيعها أشباه الموصلات المستخدمة في الهواتف الذكية، واعتبارها تهديداً للأمن القومي الأميركي بذريعة استخدام شبكاتها المنتشرة في العالم في أعمال التجسّس وسرقة الخبرات والاختراعات الدقيقة أو تعطيل الاتصالات.

وقد رفعت الإدارة الديمقراطية الحالية برئاسة جوزيف بايدن درجة التوجّس والمخاطر من نمو الصين وتمدّدها في محيطها، بحري الصين الشرقي والجنوبي، وتوسّع نفوذها في معظم القارّات، فذهبت إلى تشكيل تحالفات سياسية، “أوكوس”، مع أستراليا والمملكة المتحدة، والرباعية “كواد” مع أستراليا والهند واليابان، وتنشيط تحالفات قديمة، “العيون الخَمس” الاستخباراتي مع المملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وطرحت مع مجموعة السبعة مبادرةً لتقديم تمويل للبنى التحتية في الدول النامية تحت عنوان “الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار” بديلاً للقروض الصينية التي استغلت الديون المتراكمة على الدول لفرض هيمنتها على سياساتها واقتصاداتها، وتبنّت استراتيجية “التنافس بين القوى العظمى”.

قادت المجابهات السياسية والاقتصادية بين الدولتين إلى تحوّل في طبيعة التنافس ومستواه، حيث باتت الولايات المتحدة تعتبر الصين الشعبية أخطر مصدر تهديد مستقبلي، على خلفية النمو الاقتصادي والتقني الذي حققته، وغدت به منافساً على قمّة العالم، تقول تقديرات كثيرة إنها ستتجاوز الولايات المتحدة في العقود الثلاثة المقبلة، فلجأت إلى زيادة حضورها العسكري في المحيطين، الهندي والهادي، وعزّزت تعاونها مع حلفائها فيهما وتابعت ملاحقة النفوذ الصيني حول العالم، وركزت على منعها من الحصول على خبرات تقنية دقيقة في مجال الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، باعتباره العامل الرئيس في التحكّم في التطور الصناعي والعسكري المستقبلي، بما في ذلك تعديل موقفها من “صين واحدة” والانخراط في تعاون مع تايوان (الصين الوطنية) وتشجيعها على تبنّي الاستقلال التام عن الصين الشعبية لحرمان الأخيرة فرصة الحصول على التقنيات الدقيقة التي تنتجها الصين الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي والكومبيوترات، وأشباه الموصلات الأقل سمكاً والأسرع والأقوى، إذ أنتجت عام 2020 رقائق بحجم خمسة نانومترات (النانومتر جزء من مليار جزء من المتر) وخططت لتقديم أولى الرقائق بحجم ثلاثة نانومترات في عام 2022، التي تدخل في صناعة الهواتف الذكية والكمبيوترات فائقة السرعة والاتصالات اللاسلكية ووسائل المراقبة والتجسّس والأسلحة الإلكترونية. هذا إلى جانب شبكة الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي ومعدات إنتاج الصوت للبثّ والتلفزيون والواقع المعزز والبيانات الكبيرة وأجهزة البثّ وبرمجيات تطبيقات الأعمال والتطبيقات المتعلقة بذكاء الأعمال وبرنامج الأمن السيبراني وبرنامج أمان الحوسبة السحابية واتصال سحابي آمن ومنع تسرّب البيانات وإدارة الهوية والوصول وحلول أمن المعلومات وحلول تكامل وتوحيد نظم المعلومات والحوسبة المتنقلة. لقد بات إبقاء تايوان خارج السيطرة الصينية هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، لأن ذلك يضمن هيمنتها على صناعة أشباه الموصلات التايوانية هيمنة كاملة على كل أو معظم مراحل صناعات الإلكترونيات في العالم من مرحلة استخراج الخامات إلى التجميع النهائي. اقترح بحث في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في حال مهاجمة الصين الشعبية تايوان تدمير مصانع أشباه الموصلات وتهريب الخبراء العاملين فيها إلى الخارج.

حدّدت الصين نقاط ضعفها واحتياجاتها لمواصلة الصعود وتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية الطموحة في مواجهة المنافسة الأميركية الكبيرة، والخطر الذي تمثله الولايات المتحدة في ضوء تفوقها العسكري والتقني، في القصور التقني والأسلحة الحديثة، حيث ما زالت تعتمد كثيراً على التقنية المستوردة. لذا ركزت في استراتيجيتها من أجل “التطوير المدفوع بالابتكار”، التي أعلنتها عام 2016، على تحقيق قفزتين مهمتين: الالتحاق برَكب الصَفِّ الأول من الدول المبتكرة بحلول عام 2035، وأن تغدو “قوة علمية عالمية عُظمى” بحلول عام 2050. وبدأت حملة البحث عن تقنيات تساعدها في تحقيق ذلك، عبر عقد شراكات مع دول ومؤسسات أبحاث متقدمة والاتفاق على برامج ومشاريع معها، من بين 507 اتفاقات مع إسرائيل عقدتها بين عامي 2002 ومايو 2022، كانت 492 منها اتفاقات في مجال التقنية، بما في ذلك تقنية المعلومات والاتصالات والتقنية النظيفة والزراعية والروبوتات، وشكلت مئات شبكات التجنيد التي تستهدف الملكية الفكرية في جميع أنحاء العالم وطرحت عروضاً لاستقطاب خبراء برواتب مغرية، من أجل جلب البرامج والاختراعات والخبرات بحيث تصبح معقلاً عالمياً للابتكار يعتمد على ذاته وتجاوز العتبة التقنية في صناعة أشباه الموصلات الدقيقة، ما يسمح بإحداث تطور صناعي وعسكري وسيبراني يسرع في حسم الصراع على القمة مع الولايات المتحدة. وتحركت باتجاه سد الفجوة العسكرية مع الولايات المتحدة بتعزيز أسطولها البحري، بحيث غدت قوة بحرية ضخمة، تملك أكبر عدد سفن حربية في العالم، ودخلت عالم إنتاج حاملات الطائرات، أنتجت منها ثلاثاً، وطورت غوّاصات قادرة على الطيران، وعززت قوتها النووية، وبات لديها أكثر من ألف صاروخ نووي، ونجحت في إطلاق صاروخ فائق السرعة. وتبنت استراتيجية مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة على قاعدة منع وصول القوات الأميركية إلى مسافة محددة من البر الصيني لحماية أصولها العسكرية والمدنية في حال انفجار الصراع بينهما أو تدخّلها ضدها عند الهجوم على تايوان، الذي بات محتملاً في ضوء تنامي الشعور القومي في تايوان، ممثلاً بصعود الحزب الديموقراطي التقدّمي المطالب بالاستقلال الرسمي، وكانت الصين قد تبنت في 14 مارس/ آذار 2005، قانوناً ضد الانفصال يقضي، إذا أعلنت تايوان استقلالها، باللجوء إلى الوسائل “غير السلمية”.

لقد غدت تايوان ممرّاً إجبارياً لاجتياز الصين عتبة التفوّق التقني، وباتت الممانعة الأميركية العقبة التي تقف في الطريق، ما دفع محللين إلى التذكير بفخ ثيوسديدس والتحذير من انفجار حربٍ مدمرةٍ بينهما.

 

العربي الجديد

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى