في الواجهةوطن

تبون يشرع في مسار التغيير الشامل

  • الرئيس يواجه تحدّيات داخلية وخارجية

باشر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مؤخرا، في عقد سلسلة من اللقاءات التشاورية التي جمعته، ولا تزال، بعدد من الشخصيات الوطنية والسياسية، تجسيدا منه لمسار التغيير الشامل الذي كان قد التزم به والذي استهله بإعلانه عن إجراء تعديل للدستور.

ومن خلال لقاءاته المتواصلة مع شخصيات تحمل تصورات متباينة حول الوضع العام للبلاد وكيفية إعادة الأمور إلى سكتها، يكون الرئيس تبون بصدد تفعيل التزام تعهد به في مناسبات عدة، وجدده في خطابه للأمة عقب أدائه لليمين الدستورية والذي دعا فيه إلى “وضع اليد في اليد من أجل بناء جمهورية جديدة قوية ومهيبة الجانب”، مؤكدا أن “جزائر اليوم تحتاج إلى ترتيب الأولويات تفاديا لمآلات مجهولة العواقب”.

وفعلا، لم يتماطل السيد تبون في إطلاق مسار المشاورات الذي استهله باستقباله رئيس الحكومة الأسبق، أحمد بن بيتور، عشرون يوما فقط عقب توليه مهامه على رأس الجمهورية. وقد سمح هذا اللقاء التشاوري ب”استعراض الوضع العام في البلاد والوضع الاقتصادي وآفاق العمل الجاد لتجنيد الكفاءات الوطنية وتسخير الإرادات الطيبة، قصد إرساء أسس الجمهورية الجديدة”.

وكان اللقاء الثاني في أجندة الرئيس تبون مع الوزير السابق والناشط السياسي عبد العزيز رحابي الذي تناول رفقته الملفات المتصلة بالفترة الراهنة.

وخلال هذا الاستقبال، قام رئيس الجمهورية بـ”شرح الخطوات السياسية الجارية والقادمة لبناء الثقة التي تعزز التواصل والحوار قصد إقامة جبهة داخلية قوية ومتماسكة، مما يسمح بحشد الطاقات والكفاءات الوطنية واستدراك الوقت الضائع لتشييد دولة مؤسسات تكرس فيها الديمقراطية التي تجنب البلاد أي انحراف استبدادي، وينعم فيها الجميع بالأمن والاستقرار والرخاء والحريات”.

كما “استمع رئيس الجمهورية إلى ملاحظات واقتراحات السيد عبد العزيز رحابي حول الخطوات التي انطلقت بعد 12 ديسمبر”، مثلما كان قد أفاد به بيان لرئاسة الجمهورية.

وفي أول خطوة على طريق مراجعة القانون الأسمى للبلاد، استقبل الرئيس تبون الأستاذ الجامعي والعضوفي لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، أحمد لعرابة الذي كلفه برئاسة لجنة خبراء مكلفة بصياغة مقترحات لمراجعة الدستور.

وسيكون على هذه اللجنة، التي تضم كفاءات وخبرات وطنية في المجال القانوني، سيما القانون الدستوري، تسليم خلاصة عملها لرئيس الجمهورية في أجل أقصاه شهران ابتداء من تاريخ تنصيبها، على أن يطرح هذا المشروع لمشاورات واسعة لدى الفاعلين في الحياة السياسية والمجتمع المدني قبل إحالته إلى البرلمان للمصادقة وبعدها لاستفتاء شعبي.

كما تضمنت قائمة الشخصيات التي استقبلها السيد تبون، رئيس الحكومة الأسبق، المجاهد مولود حمروش، الذي قدم تصوره حول مختلف القضايا المطروحة في الساحة الوطنية، على ضوء تجربته الطويلة في خدمة الدولة، ومتابعته للأحداث الوطنية كفاعل سياسي بارز.

وفي سياق ذي صلة، أدى الرئيس تبون، بحر الأسبوع الجاري، زيارة إلى المجاهد والوزير الأسبق الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، في بيته من أجل الاطمئنان على صحته.

وبالمناسبة، عبر السيد الإبراهيمي عن “عميق تأثّره” بهذه الزيارة، وشكره على هذه “الالتفاتة الكريمة”، كما أعرب عن تمانيه للرئيس تبون بـ”التوفيق والسداد لما يبذله من جهود في خدمة الوطن في الداخل، واستعادة مكانة وهيبة الجزائر على الساحة الإقليمية والدولية”، مثلما جاء في بيان رئاسة الجمهورية.

كما استعرض أيضا تصوره للمستقبل، “في ظل تعزيز الوحدة الوطنية لبناء جبهة داخلية صلبة، وتحصين الهوية الوطنية وقيم الأمة وثوابتها”. ومن جهته، أطلع الرئيس تبون السيد الإبراهيمي على بعض جوانب التغيير الشامل الذي شرع في تطبيقه، بدء بالمراجعة الواسعة للدستور التي أكد على أنها “يجب أن تحظى بأوسع توافق وطني ممكن”.

وفي ذات الإطار، كان رئيس “جيل جديد”، جيلالي سفيان، أول مسؤول حزب سياسي يستقبله رئيس الجمهورية.

خلال هذا اللقاء الذي جرى، اليوم الثلاثاء، شرح جيلالي سفيان آراء وتصورات تشكيلته السياسية، كما “قدم اقتراحات لتعزيز التشاور والحوار اللذين باشرهما الرئيس تبون تنفيذا لالتزاماته الانتخابية التي أكدها مباشرة بعد أداء اليمين الدستورية رئيسا للجمهورية”.

ويجدر التذكير بأن الهدف من وراء هذه اللقاءات، السابقة والمستقبلية، هو”بناء جمهورية جديدة تستجيب لتطلعات الشعب، وإجراء إصلاح شامل للدولة يسمح بتكريس الديمقراطية في ظل دولة القانون التي تحمي حقوق وحريات المواطن، وهوهدف التزم به السيد عبد المجيد تبون خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، وأكده في الخطاب الذي ألقاه مباشرة بعد أداء اليمين الدستورية رئيسا للجمهورية”.

..تبون يواجه تحدّيات داخلية وخارجية

رغم مرور شهر فقط عن تنصيبه، تزدحم أجندة الرئيس عبد المجيد تبون، بكثير من الملفات ذات الصلة بالوضعين الداخلي والخارجي، في ظلّ ازدياد المشهد تعقيداً في ليبيا، بعد دخول عدة أطراف أجنبية على خطّ الصراع فيه.

وفضّل تبون، بدء رحلته الرئاسية بإعلان تعديل دستور البلاد، بتشكيل لجنة خبراء مكوّنة من أساتذة جامعيين يقودهم أحمد لعرابة، المختصّ في القانون العام والخبير في الأمم المتحدة. وحدّد تبون لهذه اللجنة، في خطاب تكليفها، سبعة محاور يريد أن يشملها التعديل، أبرزها كما جاء في بيان الرئاسة “تدعيم النظام الديمقراطي القائم على التعدّدية السياسية والتداول على السلطة، وصون البلاد من كلّ أشكال الانفراد بالسلطة وضمان الفصل الفعلي بين السلطات وتوازن أفضل بينها، وتعزيز استقلالية السلطة القضائية، وإعادة الاعتبار للبرلمان خاصة في وظيفته الرقابية لنشاط الحكومة”.

وحدّد الرئيس للجنة مهلة ثلاثة أشهر لتسليم خلاصة أعمالها المتمثّلة في تقرير ومشروع قانون دستوري، على أن يُعرض هذا المشروع على الفاعلين في الحياة السياسية والمجتمع المدني للمناقشة والإثراء، قبل إحالته على البرلمان للمصادقة عليه، ثم طرحه على الاستفتاء الشعبي.

ويُحاول تبون، من خلال هذه الملامح التي أعطاها حول الدستور الجديد، أن يتخلّص من تركة الرئيس السابق، الذي كان متهماً بخياطة دستور على المقاس، بتركيز كلّ الصلاحيات في يده والإخلال بتوازن السلطات في الدستور.

لكن مسعى تبون لم يسلم من انتقادات من جانب بعض المعارضين، الذين استغربوا لجوءه إلى طريقة الرئيس السابق نفسها في تعديل الدستور عبر لجنة خبراء، في حين أن الدستور، في نظرهم، قضية سياسية بالأساس وليست تقنية، وبالتالي ينبغي أن يكون دور الخبراء فيها مقتصراً على صياغة المواد النهائية، بناءً على التوافقات الحاصلة في المجتمع حول طبيعة النظام السياسي وتوجّه الدولة العام.

ويقترح البعض، إزاء ذلك، انتخاب برلمان تأسيسي، تكون له الكلمة في تعديل الدستور بناءً على التمثيل السياسي للجزائريين في انتخابات نزيهة وشفّافة، على طريقة التجربة التونسية بعد ما عرف بـ”ثورة الياسمين”. لكن الانتقاد الأكبر الذي نال تبون، لم يكن متعلّقاً بالصيغة المطروح بها التعديل، وإنما بتعيينه لجنة الخبراء قبل بدء الحوار الوطني الذي وعد به؛ إذ يرى سياسيون أن تعديل الدستور ينبغي أن يكون مبنيّاً على مخرجات الحوار، لا أن يكون مُوجّهاً من البداية من الرئاسة.

ولا تشكّل الأزمة الداخلية مصدر الصداع الوحيد لتبون، وخصوصاً بعد التطورات الأخيرة في ليبيا، التي تمتلك معها الجزائر حدوداً شاسعة بنحوألف كيلومتر. وباتت الجزائر، في الأسبوع الأخير، محجّة دبلوماسية لمعظم الأطراف المتدخّلة في المستنقع الليبي؛ فقد زارها وزراء الخارجية المصري سامح شكري، والتركي جاويش أوغلو، والإيطالي لويجي ديمايو.

كما زارت الجزائر، وفود ليبية رفيعة، يقودها فايز السراج، الذي يقود حكومة الوفاق في طرابلس، وأيضاً مسؤولون في حكومة بنغازي التابعة للمشير المتقاعد خليفة حفتر. وحاولت الجزائر، بعد أن أصبح لها رئيس قادر على القيام بجهود دبلوماسية، أن تثني كلّ أطراف الصراع عن المواجهة العسكرية وتفضيل الحلّ السياسي. وأثمرت هذه الجهود، وفق بعض القراءات، بالمساعدة على الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه حفتر، وهو ما يمهّد لإمكانية الوصول إلى اتفاق سياسي، تسعى الجزائر لأن تكون طرفاً فاعلاً في تحقيقه.

ب.ر

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى