مقالات

ترامب… الأيام الأخيرة للعاصفة

صادق الطائي

مع إصرار الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب على أن الانتخابات الرئاسية التي خسرها كانت مزورة، لم يتخيل حتى أكثر المتطرفين أن يكون سيناريو جلسة الكونغرس للتصديق على نتائج الانتخابات يوم 6 كانون الثاني/يناير ستكون بالشكل الذي سار فيه السيناريو في اليوم الدامي.

أحداث اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي، الكابيتول هول، الذي يوصف بقلعة الديمقراطية الأمريكية تهاجمها مجاميع الغوغاء، الذين حشدتهم خطابات وتغريدات الرئيس ترامب، وأصابتهم بحالة هياج جمعي، بعد أن شحنتهم بالكراهية نظريات المؤامرة التي روجها اتباع مجموعة «كيو انون» فانطلقت المجاميع الغاضبة لتهاجم الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، في محاولة لمنعهما من تصديق نتائج الانتخابات، وإعلان فوز الرئيس المنتخب جوزيف بايدن. النتيجة كانت وفاة أربعة اشخاص من المهاجمين وفرد من الشرطة، وجرح العشرات، واعتقال أكثر من خمسين شخصا من المهاجمين، ولم تتم السيطرة على الوضع إلا بعد إعلان حظر التجول، ونشر قوات الجيش لضبط الأمن في شوارع العاصمة واشنطن.

حدث لم يشهده التاريخ الأمريكي الحديث والمعاصر، وقد توقع المراقبون من رئيس شعبوي ومتقلب المزاج، مثل الرئيس ترامب اللجوء لبعض ألاعيب العرقلة، ومنع الانتقال السلس للسلطة، كما هدد وأعلن مرارا بأنه لن يعترف بنتائج الانتخابات، إلا أنه لم يدر بخلد أحد أن تصل الأمور إلى تشجيع الأتباع على القيام بأعمال عنف إجرامية، تندرج تحت توصيف الأعمال الإرهابية. يبدو أن الرئيس ترامب ابتدأ نقاشا في الأيام الماضية مع مجموعة من مستشاريه حول إمكانية إصداره عفوا رئاسيا شخصيا يحميه من الجرائم التي قد يدان بارتكبها هو وعائلته ومساعدوه، طوال عهدته الرئاسية. فقد كتب مايكل. س. شميدت، وماجي هابرمان في صحيفة «نيويورك تايمز» يوم الخميس 7 يناير، مقالا مطولا حول بعض التسريبات عن هذا الأمر، جاء فيه «اقترح الرئيس ترامب على مساعديه أنه يريد العفو عن نفسه في الأيام الأخيرة من رئاسته، وفقًا لشخصين على دراية بالمناقشات» وقد وصف الكاتبان هذا الأمر بأنه ،»خطوة من شأنها أن تمثل أحد أكثر الاستخدامات غير العادية وغير المختبرة للسلطة الرئاسية في التاريخ الأمريكي». كما ناقش الرئيس ترامب مع مستشاريه القانونيين إمكانية إصدار مجموعة أحكام عفو وقائي لعائلته تشمل ولديه وابنته وزوجها، مستشاره جاريد كوشنر، وبعض الشركاء المقربين من الرئيس، مثل محاميه الشخصي رودولف جيولياني، وقد أعرب ترامب عن مخاوفه من أن وزارة العدل في إدارة بايدن قد تلاحقهم جميعًا بالاتهامات. ويذكر المؤرخون أن الرئيس الأمريكي الوحيد في التاريخ الامريكي الحديث، الذي لجأ إلى إصدار العفو عنه كان الرئيس ريتشارد نيكسون بعد فضيحة «ووترغيت» وحتى في هذه الحالة، فإنه لم يصدر عفوا رئاسيا ذاتيا، إنما تم تمرير الأمر عبر صفقة، كشف عنها لاحقا بينه وبين نائبة جيرالد فورد، الذي تولى الرئاسة بعد استقالة نيكسون، إذ أصدر جيرالد فورد عفوا عن جميع الجرائم والمخالفات القانونية التي ارتكبها نيكسون إبان عهدته الرئاسية، في وقت لاحق، ألقى أنصار فورد باللوم على ذلك العفو في خسارته في الانتخابات أمام المرشح الديمقراطي جيمي كارتر بعد ذلك بعامين، على الرغم من أن العفو أصبح في نهاية المطاف بمثابة خطوة ساعدت البلاد على الخروج من أزمة «ووترغيت».

ويبدو الرئيس ترامب وكأنه قد وضع نصب عينيه طوال عهدته الرئاسية مسألة العفو الذاتي، إذ لوح بذلك في عامه الأول إبان التحقيق في ما عرف بأزمة التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الامريكية عام 2016. لكن فقهاء القانون الأمريكيين شككوا في أن يكون للرئيس ترامب «حق مطلق» في العفو عن نفسه، فقد ذكرت وثائق وزارة العدل الأمريكية في رأي قصير، في آب/أغسطس 1974، قبل أربعة أيام فقط من استقالة الرئيس نيكسون «أن الرؤساء لا يمكنهم العفو عن أنفسهم، بموجب القاعدة الأساسية التي تنص على أنه لا يجوز لأحد أن يكون قاضياً في قضيته». لكن التسريبات تشير إلى أن المناقشات بين الرئيس ترامب ومساعديه حول العفو الذاتي، تمت قبل التصعيد الأخير، الذي مارس فيه الرئيس ضغوطه عبر مكالمات هاتفية على المسؤولين في ولاية جورجيا، لمساعدته في محاولة قلب نتائج الانتخابات، ثم أعقبها طلبه من نائبه مايك بنس الطلب نفسه، وكانت مصادر مطلعة قد كشفت في تصريحات لشبكة (CNN) أن الرئيس ترامب واصل الضغط على نائبه بنس، لرفض نتائج الانتخابات حتى الدقائق الأخيرة قبيل جلسة الكونغرس، ليختتم تصعيده بالتحريض على أعمال الشغب في مبنى الكابيتول هول. ويعتقد مستشارو ترامب أن تصرفات الرئيس الأخيرة، عقّدت موقفه الجنائي وزادته سوءًا، وكشفت عن المزيد من المشاكل المحتملة التي قد تتسبب في محاكمته لاحقا بتهم مختلفة، وقد صرحت جهات مسؤولة في وزارة العدل، إنها لن تستبعد توجيه اتهامات للرئيس ترامب بشأن دوره في التحريض على العنف في أحداث مهاجمة البرلمان الأمريكي. بينما أشارت بعض التسريبات إلى أن مستشار البيت الأبيض بات سيبولوني، كان قد حذر الرئيس الأمريكي بأنه قد يتعرض لتبعات قانونية جراء تحريضه أنصاره على القيام بأعمال الشغب، فيما قال مقربون، إن الرئيس ترامب كان سعيدا وهو يشاهد على التلفزيون مشاهد اقتحام مبنى الكونغرس.

الانتقادات التي وجهت للرئيس ترامب هذه المرة كانت عنيفة، وصدرت حتى من صقور الحزب الجمهوري، فقد وصف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، مشاهد هجوم أنصار ترامب على مبنى الكونغرس بقوله،»هكذا يتمّ الطعن بنتائج الانتخابات في جمهوريات الموز، لكن ليس في جمهوريتنا الديمقراطية». وأضاف «لقد هالني السلوك غير المسؤول لبعض القادة السياسيين منذ الانتخابات، وقلّة الاحترام التي ظهرت اليوم تجاه مؤسساتنا وتقاليدنا وقواتنا الأمنية». كما توالى تقديم استقالات موظفي الإدارة الأمريكية احتجاجا على اقتحام أنصار ترامب مبنى الكابيتول هول، إذ قدمت ستيفاني غريشام كبيرة موظفي السيدة الأولى في البيت الابيض استقالتها، كما استقالت ريكي نيسيتا السكرتيرة الاجتماعية للبيت الأبيض، وكذلك سارة ماثيوز، نائبة المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض. ويبدو أن عددا آخر من المسؤولين في طريقهم للاستقالة أيضا مثل روبرت أوبراين مستشار الأمن القومي، ونائبه ماثيو بوتينجر. كما استقالت وزيرة النقل إيلين تشاو، وهي زوجة زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وقد صرحت في بيان نشرته على صفحتها الرسمية في تويتر بالقول، إنّها اتّخذت هذه الخطوة لأن ما حصل في الكابيتول هول يعتبر «حدثا صادما كان من الممكن تجنّبه تماماً، وقد أزعجني كثيراً لدرجة أنّني لا أستطيع تجاهله». بينما حمّل النواب الديمقراطيون، يساندهم بعض النواب الجمهوريين في مجلسي الكونغرس الرئيس دونالد ترامب المسؤولية كاملة عما جرى من سلوكيات غير مسبوقة في انتهاك قيم الديمقراطية الأمريكية، وابتدأوا مناقشة احتمالية اللجوء للتعديل 25 من الدستور الأمريكي، وقد نقلت ثلاث شبكات تلفزيونية أمريكية هي: (CNN ) و(ABC ) و(CBS ) خبرا مفاده أن عددا من الوزراء في إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب ناقشوا إمكانية تنحيته، وأفادت تلك الشبكات عن مصادر لم تسمها، أن الوزراء بحثوا إمكانية تفعيل التعديل 25 للدستور الأمريكي الذي يسمح لنائب الرئيس، وأغلبية أعضاء الحكومة أن يقيلوا الرئيس إذا ما وجدوا أنه «غير قادر على تحمل أعباء منصبه». وقد لاقى هذا الأمر دعما من نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الديمقراطية. وهنا يجب القول إن هذا الإجراء، إذا تم تنفيذه قبل أن يغادر الرئيس ترامب منصبه، فإنه يعني سابقة لم تحدث في التاريخ الأمريكي، وستكون ضربة تقضي على مستقبل دونالد ترامب السياسي.

الحزب الجمهوري الذي بدا في أضعف حالاته، بعد أن خسر رئاسة الجمهورية والكونغرس، وأصبحت للديمقراطيين الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، يبدو أنه يعاني من مظاهر انشقاق تاريخي، ويرى بعض المراقبين أن دونالد ترامب قد يؤسس حزبه (أمريكا اولا) اليميني الراديكالي ذا السياسة الشعبوية، الذي سيأكل من جرف الحزب الجمهوري، نتيجة كسبه القواعد الجماهيرية التي ساندت الرئيس ترامب، وقد يبدو مثل هذا الكلام مبكرا، لكن بعض التسريبات تحدثت عن نية دونالد ترامب لدخول التنافس في انتخابات 2024، وحينها ربما سيدخل الانتخابات كمرشح لحزبه الجديد.

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى