تنمية مستدامة أم فساد مستدام؟

خالد اليماني

تابعت خلال الأيام القليلة الماضية بمزيد من الاهتمام فعاليات الجزء الرفيع المستوى لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ78، والنقاشات المتصلة بالمراجعة النصفية لخطة “أهداف التنمية المستدامة” 2015-2030، التي وضعتها الأمم المتحدة عقب انتهاء المدة الزمنية المحددة لخطة “أهداف الألفية الإنمائية”، التي رسمت للفترة 2000-2015، ولا أستطيع إخفاء ذلك الحضور الملح للسؤال الكبير الذي طالما طرحته الدول الأعضاء في نقاشاتها المعمقة حول إصلاح الأمم المتحدة: “هل ما زالت المنظمة الدولية ذات جدوى للمجتمع الدولي؟”.

أتذكر أن نقاشات الدول الأعضاء حول التقارير التقييمية لمستوى تنفيذ المنظمة الدولية لأهداف الألفية الإنمائية، كانت تركز حينذاك على أن تحديد ثمانية أهداف و21 مستهدفاً و60 مؤشراً لأهداف الألفية، هي عملية غير مجدية، وربما سيكون من الأفضل ونحن نقف حينها بصدد صياغة الخطة الجديدة لأهداف التنمية المستدامة، أن نركز على أهداف ومستهدفات ومؤشرات أقل تكون قابلة للتنفيذ، بما يمكن المجتمع الدولي من تركيز جل جهده وموارده لتنفيذها مثل مكافحة الفقر والجوع، وتحسين مستويات الصحة والتعليم، وتوفير المياه النظيفة والاستدامة البيئية، ووقف التدهور المناخي.

الدول الأعضاء المغيبة عن دهاليز اتخاذ القرار على رغم أنها في الأصل صاحبة القرار في الأمم المتحدة، بنص وروح أول فقرة في ميثاق الأمم المتحدة التي تقول “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا”، كانت تفكر في مقاربة تحقق إنجازاً عملياً فيما كانت سكرتارية الأمم المتحدة قد أعدت قائمة طويلة من الأهداف والمستهدفات والمؤشرات تمخضت عن صراع وتنازع كبيرين بين هيئاتها المختلفة، وتمخضت عن 17 هدفاً، و169 مستهدفاً، 247 مؤشراً.

كذلك انتصرت سكرتارية الأمم المتحدة على رغبات الدول الأعضاء، كما تفعل دائماً، فهي كانت، وما زالت، تكتفي بمشاورة الدول الخمس دائمة العضوية، وتضع نصب أعينها مئات الآلاف من أعضاء هيئاتها الرئيسة والفرعية، وتسقط خططها وفق حاجاتهم في ظاهرة أقل ما يمكن أن يقال عليها “توزيع الكعكة” بين مكوناتها البيروقراطية.

وفي كل مرة تعود النقاشات المستفيضة بين الدول الأعضاء حول حاجة مجتمع الدول في عالمنا لمنصة جامعة، ولمحفل دولي تلتقي وتناقش فيه قضاياها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والوجودية، لكن ليس لهذه الأمم المتحدة التي باتت بيروقراطية مترهلة وفاسدة وغير فاعلة.

..إجادة التشخيص وفشل العلاج

ربما كانت تلك الفكرة التي أبرزها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في كلمته الافتتاحية لأعمال الدورة 78 للجمعية العامة هي مفتاح لفهم أين تتجه البشرية التي قال إنها تتجه وبشكل سريع نحو عالم متعدد الأقطاب، وفيما يعد هذا الأمر إيجابياً لما يجلبه من فرص جديدة للعدالة والتوازن في العلاقات الدولية، لكن تعدد الأقطاب وحده لا يشكل ضمانة للسلام والاستقرار، فقد كانت أوروبا مع بداية القرن الماضي تتشكل من مجموعة من القوى، لكنها افتقرت إلى المؤسسات القوية متعددة الأطراف، مما أفضى إلى تفجر الصراع ونشوب الحرب العالمية الأولى.

وأكد الأمين العام حاجة العالم الجديد متعدد الأقطاب الذي يتشكل اليوم إلى مؤسسات فعالة متعددة الأطراف، وليس المؤسسات الحالية، لأن الحوكمة الدولية الحالية ما زالت تعيش في زمن مضى، مشيراً إلى مؤسسات مثل مجلس الأمن، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، باعتبارها مؤسسات تعكس واقعاً سياسياً واقتصادياً تخلق بعد الحرب العالمية الثانية، مضيفاً أن العالم تغير، ولكن مؤسساته بقيت حبيسة الماضي، وأن عدم القيام بجهد متسق للإصلاح لا يعني بقاء الحال على ما هو عليه، بل إن البديل يكمن في مزيد من التشرذم، فأما الإصلاح أو التمزق.

كان توصيف الأمين العام دقيقاً في إطاره النظري، لكن حين يتم إسقاطه على التطبيق يصبح كارثياً، لأن الأمين العام أفاض في تشخيص المشكلة وعجز في اختيار العلاج الشافي لها، فقد ألقى باللوم على فشل المجتمع الدولي على رغم أنه رصد مئات المليارات من الدولارات لخطط الأمم المتحدة، وأفاض في تحميل ما جرى ودار على الصراعات المسلحة، وجائحة كورونا، وعدم إصلاح المنظومة المالية الدولية التي اعتبرها الأمين العام قديمة ومعيبة وغير عادلة، ولم يتطرق من قريب أو بعيد لفشل المنظمة المترهلة التي يقودها، والتي تمتص مليارات الدولارات لصالح ميزانياتها التشغيلية، بل طالب العالم وحث الجميع على دعم حصول المنظمة على 500 مليار دولار سنوياً حتى عام 2030، لتحقيق ما لم يتم تحقيقه في النصف الأول من أهداف التنمية المستدامة، بل إن كثيراً من الأهداف شهدت انتكاسة مقلقة.

الآن تقول الأمم المتحدة إن ما تحقق من 17 هدفاً، و169 مستهدفاً، و247 مؤشراً من أهداف التنمية المستدامة بعد انقضاء أكثر من نصف الفترة منذ 2015 هو 12 في المئة، على رغم أن الأمين العام عدل الرقم خلال يومين ليصير 15 في المئة، مضيفاً أن 50 في المئة من الأهداف تكاد لم تشهد أي تقدم يذكر، فيما 30 في المئة منها شهدت تراجعاً مخيفاً إلى ما دون المستويات التي حققتها أهداف الألفية الإنمائية في 2015، ومع هذا فالأرقام التي أعلنتها الأمم المتحدة لم يتم التمحيص بها وتقييمها من محقق مستقل.

اليوم، لم يتبق سوى سبع سنوات لانقضاء ثلاثة عقود من جهود البشرية، ذهب جلها سدى، والغريب أننا لم نسمع دولة واحدة تطالب بتحقيق دولي مستقل للهدر غير المسبوق للمليارات، وكأنه تواطؤ دولي من نوع ما.

الأمين العام في كلمته أمام مؤتمر التقييم النصفي لمستوى تنفيذ أهداف التنمية المستدامة قالها صراحة “إننا بدلاً من عدم ترك أحد خلف الركب، بتنا نخاطر بترك أهداف التنمية المستدامة برمتها وراء ظهورنا”، وهو “كليشيه” عميق استهدف من ورائه الأمين العام إقناع مستمعيه بحاجته إلى مزيد من المال، 500 مليار دولار سنوياً فقط، وهو أو غيره سيقف أمامهم حينما يأتي عام 2030 ليعلن أن ظروفاً قاهرة حالت دون تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويعلن عن خطة للـ15 سنة المقبلة حتى عام 2045 “لأهداف التنمية الذكية” ربما لأننا في خضم عصر الذكاء الاصطناعي.

فشل الأمين العام بشكل معيب، وأحجم عن القول إنه والجهاز المهول والمترهل الذي يقوده هما المسؤولان عن الفشل، ولهذا لا ولن تكفي 500 مليار دولار سنوياً، ولا تريليونات الدنيا لأنها ببساطة تسقط في غياهب ثقب أسود وبيروقراطية مهترئة.

لعبة الأرقام… جعجعة ولا طحن

حينما اشتغلت كبيراً لمفاوضي مجموعة الـ77 خلال مفاوضات تقييم مستوى أداء أهداف الألفية الإنمائية، تحدث الأمين العام السابق بان كي مون عن تخفيض كبير حققته الأمم المتحدة لمستويات الفقر في العالم من نسبة 36 في المئة من سكان العالم مع بداية الألفية الثالثة إلى 10 في المئة عام 2015، لكن هذه الأرقام سرعان ما دحضتها مراكز البحث والاستقصاء التي أعادت نسب الخفض لأسباب أخرى لا علاقة للأمم المتحدة فيها. ومع الأسف شهدت السنوات الثماني الماضية تدهوراً كبيراً في مجال مكافحة الفقر، فبينما كان المستهدف خفض الفقر إلى 3 في المئة، قفز الرقم إلى أكثر من 13 في المئة، وهناك أكثر من مليار و300 مليون نسمة يعيشون اليوم في فقر مدقع.

سأكتفي بهذا القدر لأعود في الأسبوع المقبل لتناول بعض التفاصيل عن أسباب فشل خطة أهداف التنمية المستدامة في ظل فساد وترهل منظمة الأمم المتحدة والحاجة الملحة لإجراء إعادة بناء صارمة لها، فيما تتجه إلى عصر جديد من التعددية القطبية. فهذه الأمم المتحدة التي نعرفها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت عديداً من محاولات الإصلاح انتهت كلها إلى لا شيء، ويكاد المتخصصون أن يجمعوا أنها باتت منظمة غير قابلة للإصلاح. كل ما نراه يومياً في نيويورك وجنيف ومئات المكاتب الأممية في العالم وبعثات حفظ السلام، سباق محموم بين الدول الأعضاء ومسؤوليها على الوظائف الدولية، واقتناص الفرص لتوظيف اتباعهم. ولا يخلو يوم في حياة المنظمة الدولية من قصص فساد وترهل، ولا يجرؤ أحد على الحديث عن إعادة بناء. وفي ظل وضع مؤسف تعيشه منظمة الأمم المتحدة لا نسمع صوتاً يطالب بأمم متحدة جديدة تلبي حاجات وتحديات عالمنا المعاصر، وللحديث بقية.

أندبندنت عربية

Exit mobile version