مقالات

ركضاً وراء «مي زيادة»

واسيني الاعرج

وأنا أُعِد درساً في جامعة السوربون الفرنسية عن الأدب النسوي العربي، اصطدمت بجملة تقول: «أتمنَّى أن يأتي بعد موتي من ينصفني».. شعرت فجأة كأن مي زيادة كانت تكلمني!

في أول زيارة إلى القاهرة برفقة زوجتي الدكتورة زينب، سألني الدكتور نبيل المحيش، والدكتورة نانسي إبراهيم: ماذا عن مي زيادة؟.. ألا تزال فكرة زيارة قبرها قائمة؟ قلت: طبعاً !  قالا: لا بد أن يكون من وراء ذلك مشروع رواية؟ قلت: ربما.

انتقلنا إلى المقبرة المسيحية المارونية في اليوم الموالي حيث يوجد قبر مي زيادة، شيء ما ظل عالقاً في الحلق، لا أفهم جيداً كيف لامرأة بهذا التاريخ العظيم، ألا يرافقها إلا ثلاثة أشخاص: أحمد لطفي السيد، خليل مطران، وأنطوان الجميل، تلمست قبرها يومها، وكأني كنت ألمس وجهاً من غيم، شعرت بمرارة في القلب، كان القبر بارداً ومعزولاً، لم يقل حارس المقبرة أكثر من كونها مارونية، لا معلومات لديه، عدت من القاهرة وأنا ممتلئ برغبة الكشف عن هذا الظلم، زاد إصراري، سافرت إلى فلسطين بدعوة من وزارة الثقافة، في إطار مؤتمر الرواية العربية في رام الله، انتابتني فكرة زيارة موقع ولادتها في الناصرة، لأرى مسقط رأسها، ولأفهم شيئاً كثيراً ما تكرر في كتاباتها، كانت دوماً تذكر الإسلام مقروناً بالمسيحية.. هل هو إحساس الأقلية وهي في مصر على عكس تواجدها في الناصرة حيث الأغلبية مسيحية، أم لذلك تفسير آخر؟.. سألتُ أصدقائي ممن دعوني إلى فلسطين: هل يمكن زيارة الناصرة؟ فقالوا إن الظرف الحالي غير مناسب، ويمكن أن يفسر الأمر على غير حقيقته!.

في العشاء طرحت الفكرة على مدير متحف درويش، الصديق الروائي سامح خضر، كان يعرف جيداً ما كان يكبر بداخلي، اقترح أن نتصل بصديقة صحفيَّة في القدس، تحمست معنا للمشروع وسافرنا صباحاً نحو الناصرة، بعد أن نسّقنا مع رئيس بلديتها السابق، المثقف والرجل الكريم والبهي، الأستاذ رامز جرايسي، الفلسطيني الملتصق بأرضه بقوة، كان دليلنا الحقيقي في المدينة القديمة، زرت بيت مي في المدينة القديمة، عندما وقفت في الشرفة، عرفت لماذا ظلت مي مرتبطة بالدِّينَيْن، فقد واجهني الجامع الأبيض، وخلفه يبدو الجزء العلوي من الكنيسة العظيمة: بازليك البشارة، العظيمة، انتقلت بعدها إلى معرض بيروت وكان اللقاء بالصديق أورفلي، في الجامعة الأمريكية الذي اقترح عليّ إقامة إبداعية في بيروت، وهو ما حدث بالفعل، سمحت لي الإقامة بإتمام تحقيقاتي بين بيت مي العائلي في مرتفعات شحتول الجميلة، وبزيارة مستشفى العصفورية الذي حشرت فيه ظلماً، ثم اللقاء مع مؤرخ العائلة في جونيه، الأستاذ غريغريوس زيادة، والاجتماع بالصديق الكبير، كريم مروة، ثم بالكاتب سعد مراد، الذي كتب أول سيناريو عنها، كنت قد التقيت قبلها في البحرين، بالشاعر الكبير هنري زغيب مدير مركز التراث اللبناني، الذي جعل من مي رهاناً ثقافياً لبنانياً، اكتملت صورة التقصي والبحث واتضحت مساحة الكتابة، بمجرد عودتي إلى باريس، كانت رواية مي زيادة: ليالي إيزيس كوبيا، قد تشكلت بصورة نهائية.

الرؤية الإماراتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى