مقالات

زعماء عرب أسسوا دولاً خارج أوطانهم

عبد الرحمن شلقم ** وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة

ثلاثة زعماء عرب، اثنان منهم كانا ملكين وثالثهم كان رئيساً لجمهورية. ما يجمعهم عاملان، أنهم حكموا بلداناً عربية لم تنبت أصولهم في ترابها، بل وفدوا من أقطار أخرى إلى حيث صعدوا إلى قمة قيادة الأوطان التي استقبلت أجدادهم، ومنهم مَن وصل إلى بلد لم يُولد به وصار ملكاً عليه. الملك فيصل بن الشريف حسين، ملك العراق الذي دخل بغداد برفقة القوات البريطانية بعدما أرغمته فرنسا عنوة على مغادرة سوريا التي أرادته بريطانيا ملكاً لها. كان فيصل بن الشريف حسين من قادة الثورة العربية ضد الدولة العثمانية التي قادها والده متحالفاً مع بريطانيا التي وعدته بعرش الدولة العربية الموحدة التي تضم الشام والعراق والحجاز بعد إخراج العثمانيين منها.

هُزمت الدولة العثمانية وانتصرت فرنسا وبريطانيا في الحرب العالمية الأولى، لكن مشروع الشريف حسين تلاشى وحل محله مشروع «سايكس بيكو» الذي أعطى الوصاية على الشام والعراق لدولتيهما.

كان فيصل بن الحسين قد أعد نفسه ليكون ملكاً على الشام بدعم من بريطانيا التي أدخلته إلى سوريا، لكن فرنسا أخرجته منها ومعه حلمه الذي تبخر بقوة الجيش الفرنسي. بريطانيا لم تقضِ على حلمه الذي نقلته معه إلى العراق الذي دخله بقوة بريطانية. العراق بما فيه من تكوين اجتماعي وديني فسيفسائي ويعاني من خلافات واختلافات، لم يكن من السهل السيطرة السياسية والإدارية عليه. التف حول الملك القادم من أرض الحجاز نخبة من الضباط العراقيين ومعهم عرب آخرون تكوّنوا في الجيش العثماني، وكذلك سياسيون رأوا في بريطانيا الحاضن القوي لحلمهم بتأسيس دولة عربية في كيان غير مسبوق بالمنطقة التي عاشت قروناً تحت هيمنة الدولة العثمانية. كانت المهمة أكبر، بل أخطر من الحلم. السؤال الأكبر هو كيف استطاع الرجل القادم من بلد آخر أن يستقر وأن يقبله المجتمع العراقي الذي به أطياف من المكونات الاجتماعية والدينية التي تشترك في نزعة العنف والمغالبة وتحكمها العقلية الطائفية والقبلية والبلاد تحت الهيمنة السياسية الكاملة لبريطانيا؟ هذا الاختلاف شكّل في بعض جوانبه دعامات قوية للملك الغريب. هو سني المذهب والتف حوله رموز هذا المذهب من مشايخ وفقهاء، ورأوا فيه مقومات الشخصية الجامعة لهم؛ وفي الوقت ذاته هو هاشمي قبلته المراجع الدينية الشيعية على أساس أنه من آل البيت، فجمع حوله الجناحين الطائفيين الكبيرين في العراق. الوجود العسكري والسياسي البريطاني كان هو من يصنع قرارات الكيان الأمل. تبنى الملك منذ يومه الأول قاعدة «خذ وطالب» من بريطانيا. وضع فيصل أمامه أهدافاً محددة؛ أولها استقلال البلاد من الوصاية البريطانية ولكن بهدوء واقعي بعيداً عن الرغبوية المندفعة. أقام نظاماً برلمانياً يصنع الحكومة، في حين حافظ هو على دور الأب للجميع وفوق الطوائف والأعراق، وشرع في تأسيس جيش حديث يتولى الحفاظ على تماسك البلاد بكل مكوناتها ونجح في النهاية في تحقيق الاستقلال والانضمام إلى عصبة الأمم، وانطلقت الدولة العراقية التي قامت على ديمقراطية برلمانية لا تتجاهل معطيات الواقع. بعد رحيله ورثه ابنه غازي ومن بعده حفيده فيصل الثاني الذي انقلب عليه الجيش سنة 1958، ودخل العراق في سلسلة من الانقلابات والعنف الدموي وكان الاحتلال الأميركي نهاية المطاف.

الشخصية العربية الثانية التي أسست كياناً خارج وطنها كان إدريس السنوسي، الذي جاء جده محمد بن علي السنوسي وهو فقيه مالكي من الجزائر إلى ليبيا في طريقه إلى الحج، وعند توقفه بمنطقة الجبل الأخضر شرق ليبيا، ولدت ألفة بينه وبين أهلها وبادر بنشر دعوته الإصلاحية الدينية ذات الطابع الصوفي، رحل إلى مصر والحجاز وعاد بعدها إلى برقة وشرع في تأسيس زوايا تعلم القرآن وأصول الدين، تم تحوّلت الحركة في عهد ابنه المهدي إلى قوة مقاومة للاستعمار الفرنسي في تشاد والنيجر والاستعمار الإيطالي في ليبيا. حفيده إدريس المهدي السنوسي قاد حركة المقاومة سياسياً في ليبيا، وبعد رحيله إلى مصر واصل نشاطه السياسي وتواصل مع البريطانيين وأسس جيشاً من الليبيين شارك في المعارك ضد الطليان والألمان، وعاد إلى برقة بعد هزيمة قوات المحور. قاد حركة الاستقلال وتُوج ملكاً على المملكة الليبية المتحدة التي كانت تعاني من ويلات سنوات طويلة من الاستعمار والفقر والأمية. اجتمع حوله أغلب الليبيين، إذ لم يكن إلى قبيلة معينة وله إرث فقهي وصوفي وجهادي. نجح في تجاوز الخلافات والنزعات القبلية والجهوية وشهدت البلاد بدايات التنمية والتطوير ولم يدخل في صراع مع أي قوة إقليمية أو دولية مع وجود قواعد عسكرية أميركية وبريطانية بالبلاد. جرى إسقاطه عن الحكم في سبتمبر (أيلول) 1969 على يد حركة الضباط الأحرار، وهو خارج البلاد وأعلنت الجمهورية.

الشخصية الثالثة هو الحبيب بورقيبة من أصول ليبية، درس في فرنسا وقاد نضالاً طويلاً ضد الهيمنة الفرنسية على تونس. بعد صراع عسكري وسياسي مع فرنسا استطاع مع رفاقه الدستوريين خلع الباي، وأسس الجمهورية المستقلة وقاد حركة تنوير وتطوير شملت كل البلاد التونسية، وفتح أبواب التعليم والعمل للمرأة التونسية وحافظ على وجود اللغة الفرنسية التي رأى فيها نافذة على الحضارة الحديثة. اتسمت سياسته بالواقعية ورفع شعار «خذ وطالب» ولم يصطدم أو يصطف في تيارات الخلافات العربية، وركز على تكريس الهوية الوطنية التونسية التي ترتكز على وحدة أطياف المجتمع وبناء المجتمع المدني الحديث. بعد انقلاب وزيره الأول زين العابدين بن علي عليه، واصلت تونس السير على منهج بورقيبة في بناء المجتمع الحديث بروح تنويرية عصرية.

هؤلاء الزعماء الثلاثة، رغم الاختلاف الاجتماعي والتاريخي بين البلدان التي أسسوا فيها دولاً مستقلة والبُعد الجغرافي بين أقطارهم، جمعهم رابط واحد وهو أنهم زرعوا في أرض لم تنبت أصولهم فيها وما زال أهل الأرض يذكرونهم ويتحدثون عنهم كلما قرعت أبواب واقعهم المعيش أيدي الحاضر بكل ما تحمله.

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى