سبعة يظلهم الله في ظله

يوم القيامة يوم عظيم هوله، شديد حره، تنخلع له القلوب وتفزع منه النفوس، تدنو فيه الشمس من الرؤوس بمقدار ميل، ويغرق الناس في عرقهم حتى يلجم بعضهم إلجاما، ليس هناك ظل إلا من أظله الله، لا أشجار، لا مكيفات، لا استراحات، لا شيء يظل الناس من حر الشمس، فمن أظله الله تعالى في هذا اليوم فقد فاز فوزا عظيما.
وقد أخبر النبي أن هناك سبعة أصناف من الناس يظلهم الله في هذا اليوم الذي لا ظل فيه إلا لمن أظله الله، وهؤلاء السبعة ذكرهم النبي صلوات الله وسلامه عليه في حديث واحد، وإلا فهناك أخرون يظلهم الله ذكرهم في أحاديث أخر، وقد ألف في ذلك جماعة منهم: الحافظ ابن حجر العسقلاني في مؤلف له سماه “معرفة الخصال الموصِّلة إلى الظلال”، والإمام السيوطي في كتابه: “تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش”، وكذا الإمام السخاوي في “الاحتفال بجمع أولي الظلال”، وغيرهم.
وهؤلاء السبعة أصناف اختلفت أعمالهم في الصورة وجمعها معنى واحد وهو مجاهدتهم لأنفسهم ومخالفتهم لأهوائهم؛ طلبا وطمعا في رضا الله جل في علاه، فصبروا على داعي الشهوة أو الغضب أو الطمع.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: إِمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه تَعالى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخافُ اللَّه، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاها، حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)[متفق عليه].
أولهم: (الإمام العادل):
دعته الدنيا كلها إلى نفسها فقاوم طمعه وغضبه وشهوته – مع قدرته على بلوغ غرضه من ذلك- فقال لداعي الهوى: لا.. إني أخاف الله رب العالمين..
والإمام العادل أنفع الخلق لعباد الله لعموم نفعه؛ لأنه إذا صلح صلحت رعيته ولو رتع لرتعت.. فهو يعدل في العطاء، ويعدل في القسمة، ويعدل في الحكم، ويعدل في المعاملة، ويشمل عدله كل الرعية، ويحرص على أموال المسلمين، ويرد المظالم ويجعل الناس كلهم أمام الحق سواء، ويضع كل شيء في موضعه.
قال ابن حجر رحمه الله: “ويلحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم من حديث عبدالله بن عمرو – رضي الله عنهما – ورفعه: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله تعالى بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراطٍ ولا تفريط”[فتح الباري: حديث 660].
فلما أظل الناس بمظلة العدل والحق في الدنيا، استحق أن يظله الله بظله يوم القيامة.
ثانيهم: (شابٌ نشأ في عبادةِ الله)
مرحلة الشباب من أهم مراحل العمر، تقوى فيها العزيمة، وتمتلئ بالحيوية والنشاط، وتكثر الأهواء، وتطغى فيها الشهوة، ويزيد فيها الطيش، خصوصا إذا غلبت على الزمان الفتن، وظهرت فيه المحن، وكثر فيه الطاعنون في الدين أو النازحون إلى الشهوات، فإذا وجد مع كل ذلك شاب بقي معتصماً بالله، متمسكاً بهدي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسلك منهج الله في شبابه، ووفقه الله منذ نشأته، وحبب إليه الأعمال الصالحة، ويسر له تربية صالحة، أو رفقة طيبة، فعاش مقاوما لغريزته، حاكما لشهوته، مغالبا لهواه ونزوته، استحق تلك الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة وأن يكون في ظل الله يوم القيامة.
ثالثهم: (رجلٌ قلبُه معلقٌ بالمسَاجد)
كأن قلبه من شدة تعلقه بالمسجد  قنديل من قناديل المسجد المعلقة به، فهو شَديدُ الحُبِّ للمساجِدِ، يَترَدَّد عليها ويَكثُر مُكثُه فيها، مُلازِمًا للجَماعةِ والفرائضِ، ومُنتظِرًا للصلاةِ بعدَ الصلاةِ، ففيه دلالة على محبته لله تعالى؛ فإن المساجد بيوت الله في الأرض.
ولا يلزم أن يكون منقطعا لها لا يخرج منها، وإنما كما قال الإمام النووي رحمه الله: “ومعناها شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد” [شرح مسلم: حديث 1031].
وقد تدخل المرأة في هذا أيضا، فيكون قلبها معلقا بالصلاة، ويكون معنى المسجد هنا مكان السجود، أو دلالة على محبة لقاء الله في الصلاة.
رابعهم: (َرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ)
أي اجتمعا على حب الله وتفرقا عليه، فهما دائما المحبة لبعضهما صادقان فيها، وهي في ذات الله لا لغرض من الدنيا ولا منفعة ينتظرها أحدهما من الآخر، وإنما هي خالصة لله تعالى وابتغاء وجهه.
وهذه المحبة جعل الإسلام لها منزلة عظيمة عند الله تعالى وفي شريعته، فالحُبُّ في اللهِ أوثَقِ عُرى الإيمان، وهو مِن أبرَزِ سِماتِ المؤمِنينَ فيما بيْنَهم، وقدْ وَعَدَ اللهُ تعالَى على هذه الخلة النَّبيلة واسِعِ الأجْرِ والعَطاءِ، وجاء في فضلها أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبوداود في سننه (إنَّ مِن عبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شُهداءَ، يغبِطُهم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ تعالى، قالوا: يا رسولَ اللهِ، تُخبِرُنا مَن هم؟ قال: هم قومٌ تحابُّوا برُوحِ اللهِ على غيرِ أرحامٍ بَيْنَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها، فواللهِ إنَّ وجوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم على نُورٍ، لا يخافونَ إذا خاف النَّاسُ، ولا يحزَنونَ إذا حزِن النَّاسُ، وقرَأ هذه الآيةَ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62].
خامسهم: (َرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللّهَ)
أي رَجُل طَلَبَتْه للفاحشةِ امرأةٌ حَسْناءُ ذاتُ حَسَبٍ ونَسَبٍ، ومالٍ وجاهٍ، ومَركزٍ مَرموقٍ – وكل هذه دواع للوقوع في الفاحشة والترغيب فيها وتسهيلها.
فقال: (إنِّي أخافُ اللهَ)، إما بلِسانِه زَجْرًا للمرأة عن طلبها الفاحِشةِ، وتذكيرا لنفسه وردعا لها وتخويفا، أو قال ذلك بقَلْبِه وفِعلُه بالامتناع عن الاستجابة لها، ولا يمتنع عن مثل ذلك مع وجود كل هذه الدواعي إلا قلبً عظم فيه الخوف من الله.
قال القرطبي، رحمه الله: “وامتناعه عن ذلك دليلٌ على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى، وهذا هو المقام اليوسفي” [انظر المفهم: حديث (899) ]. أي أنه فعل كما فعل يوسف عليه السلام.
سادسهم: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاها، حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينهُ)
المقصود من ذلك هو المبالغة في الإخفاء والاستتار بالصدقة عند بذلها، بحيث لا يكاد هو نفسه يعلم ما ينفقه من قليل أو كثير، وحتى لا تعلم الشمال بما تصدقت به اليمين مع قربها وملازمتها له.
والإسرار بالصدقة مقدم على الجهر بها وإعلانها، إلا إذا كانت المصلحة في إظهارها، قال تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[البقرة:271].
وقد جاء في الحديث: (صَنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ، وصدقة السر تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ)رواه الطبراني في الكبيروهو في صحيح الجامع.
وفي الإسرار بالصدقة منافع.. منها: أنها أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأدعى للقبول، وأن فيها رعايةً لشعور المتصدق عليه، خصوصا أهل التعفف منهم.
سابعهم: (رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)
وهذا أيضا ليس خاصا بالرجال فقط، وإنما يدخل معهم فيه النساء، وإنما ذكر الرجال تغليبا.
وقوله: (ذَكَر الله)، أي تذكرا بقلبه، أو ذكر الله ذكرا ونطقا بلسانه، ففاضت عيناه من الجلال أو الجمال، وفيض العين إنما يكون بحسب حال الذاكر من إجلال الله وتعظيمه فيكون البكاء من خشية الله، أو من تذكر صفات جماله ونعوت جلاله، وتعدد نعمه وأفضاله فيكون محبة وشوقا.
وكون ذلك في الخلوات دليل على تمام الإخلاص وانتفاء الرياء، وذكر الله في الخلوات دليل على تعظيم الله على جميع الحالات والأوقات.
وهو دليل على أن الخلوات رافعة أو خافضة، فمن الناس من إذا خلا بالله رفعته خلوته وكان ممن قال الله فيه: {مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍۢ مُّنِيبٍ}[ق:33]، ومنهم من إذا خلا بالله فضحته خلوته كما قال صلى الله عليه وسلم عن قوم (إذا خَلْوا بمحارمِ اللهِ انتهكُوها).. فمن حفظ الله إذا أظلته الخلوات، استحق أن يظله الله في ظله يوم الفضيحة والعثرات.
Exit mobile version