في الواجهةمقالات

صمود أسطوري يسبق بشائر نصر قريب

حسن نافعة

في الساعات الأولى من صباح يوم السابع من أكتوبر الماضي، استيقظ العالم على وقع خبر، مفاده أن فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، بقيادة كتائب القسام، اجتاحت الجدار الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. وفي الساعة الثامنة من هذا الصباح، أذاع محمد الضيف، القائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بياناً كشف فيه إطلاق عملية عسكرية كبرى، تحت مسمى “طوفان الأقصى”.

ولم يكد نهار ذلك اليوم ينتصف حتى تبيّن أن قوات المقاومة، التي شاركت في هذه العملية، تمكّنت من التوغل داخل عمق الكيان الصهيوني إلى مسافات بعيدة، وصلت في بعض النقاط إلى 40 كم، كما تمكنت، في الوقت نفسه، من السيطرة على عدد من المواقع والقواعد العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، وأيضاً من اقتحام عدد من المستوطنات الواقعة في غلاف القطاع.

وبعد عدة ساعات، انسحبت أغلبية القوات المهاجمة، وعادت إلى قواعدها، مصطحبة معها ما يقرب من 250 أسيراً، ومخلّفة وراءها ما يقرب من 1200 قتيل، وعدد لا يحصى من الجرحى. وانتظر جيش الكيان الصهيوني ثماني وأربعين ساعة بعد بدء القتال قبل أن يتمكن من إعلان نجاحه في “تصفية بعض الجيوب”، التي كانت لا تزال تقاتل داخل الأرض المحتلة.

للوهلة الأولى، بدا هذا الخبر غير قابل للتصديق. فالانطباع السائد عن الجدار الفاصل بين قطاع غزة والأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 أنه شديد التحصين، ومزوَّد بأحدث أدوات الرصد وأدقّ أجهزة الإنذار المبكر والاستشعار عن بعد، الأمر الذي يعني أنه غير قابل للاختراق، وخصوصاً من جانب فصيل صغير محدود الإمكانات، مثل حركة حماس.

وتتمتع أجهزة الأمن ووسائل جمع البيانات وتحليل المعلومات، التي يمتلكها الكيان، بشهرة واسعة توحي في قدرتها على الإحاطة التامة بكل ما قد يمس الأمن الصهيوني من قريب أو بعيد، وبالتالي تعرف كل شيء عن البشر والحجر في قطاع غزة.

أمّا “الجيش” الإسرائيلي، الذي سبق له أن تمكّن من إلحاق هزيمة ساحقة بجيوش ثلاث دول عربية في حرب عام 1967، فتحيط به أضواء ساطعة تصوّره على أنه بات واحداً من أفضل جيوش العالم، تسليحاً وتدريباً، ولديه من الإمكانات المادية ومن أنظمة التسليح الحديثة ومن خبرات القتال ووسائله وفنونه، الأمر الذي يفوق ما لدى جيوش بعض الدول الكبرى.

فكيف لمنظمة صغيرة محدودة العدد والإمكانات، وتوجد في رقعة جغرافية ضيقة ومحاصَرة، براً وبحراً وجواً، من جميع الجهات، أن تخدع كل أجهزة الأمن الصهيونية؟ وكيف لها أن تجرؤ أصلاً على مجرد التفكير في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة مع جيش بهذه الضخامة والقوة، على رغم قيامها على نهج الكر والفر المستخدم في حرب العصابات.

ولأن حماس تمكنت في ذلك اليوم المشهود من تحقيق إنجاز فاق كل التصورات، واستطاعت أن تلحق بالجيش الصهيوني هزيمة لا تمحى، بصرف النظر عما قد يحدث بعد ذلك، فلقد بدا هذا الإنجاز أقرب ما يكون إلى معجزة إلهية منه إلى واقع قابل للتصديق، ثم كان من الطبيعي أن يفجر ليس آمالا ضخمة فحسب، وإنما أيضاً مخاوف لا تقل ضخامة.

وعلى رغم ذلك كله، فإن مسار الأحداث والتطورات اللاحقة أثبت أن ما جرى في يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يكن في حقيقة الأمر سوى واحد من تجليات معجزة إلهية أوسع نطاقاً وأعظم قدراً.

حين أفاق الكيان الصهيوني من هول المفاجأة التي أحدثها “الطوفان”، شرع على الفور في التحرك في ثلاثة مسارات متوازية. الأول: إعلامي، استهدف إظهار ما جرى كأنه عملية قامت بها “منظمة إرهابية” ارتكبت خلالها “جرائم بشعة، من قبيل ذبح الأطفال وقطع رؤوسهم واغتصاب النساء واختطاف العجائز والمرضى”، على أمل كسب تعاطف الرأي العام العالمي وتبرير حجم العنف الذي قرر جيش الكيان استخدامه في مواجهته اللاحقة ضد كل سكان القطاع.

والثاني: عسكري، استهدف تدمير حركة حماس وإسقاط حكمها في قطاع غزة، واستعادة الأسرى بالقوة. والثالث: سياسي، استهدف تحويل المحنة إلى فرصة تتيح له تهجير سكان القطاع وإجبارهم على الرحيل القسري، وتمكنه من إعادة احتلاله، إن أمكن، أو تنصيب إدارة فلسطينية عميلة تقبل التنسيق مع أجهزته الأمنية.

ولأن الولايات المتحدة، ومن ورائها معظم الدول الغربية، سارعت إلى تصديق السردية الصهيونية وتبنتها وراحت تروجها وأبدت استعدادها لتقديم دعم سياسي وعسكري غير محدود للكيان الصهيوني، تصوّر هذا الكيان أن المعركة حُسمت لمصلحته وأنه بات قادراً على إنجاز كل الأهداف التي حددها لنفسه، خلال فترة قد لا تتجاوز عدة أسابيع. غير أنه تبين من مسار الأحداث اللاحقة أنه بنى حساباته على أسس خاطئة تماماً، وأن لدى كل من فصائل المقاومة والشعب الفلسطيني في غزة مفاجآت أخرى غير سعيدة تنتظره.

فمن ناحية، صمدت فصائل المقاومة أكثر من ستة أشهر، ولا تزال قادرة على مواصلة القتال وعلى إلحاق خسائر يومية فادحة بجيشه “الذي لا يُقهر”، ومن ناحية أخرى، صمد الشعب الفلسطيني في غزة وتمسك بالبقاء في أرضه، على رغم كل ممارسات الإبادة الجماعية التي قام بها الكيان الصهيوني في مواجهته، من قتل وتدمير وتجويع، على نحو أدى إلى أن يصبح القطاع بأكمله مكاناً غير قابل للسكن أو للحياة.

ولا شك في أن صمود المقاومة والشعب معاً ساعد، ليس على إفشال الأهداف والمخططات الصهيونية وانهيار سرديتها فحسب، وإنما أدى أيضاً إلى انكشاف حقيقة المشروع الصهيوني الذي ظهرت طبيعته التوسعية والاستيطانية والعنصرية، وهو ما تجلى بوضوح في انتفاضة الرأي العام العالمي ضد الكيان، وفي مقاضاته أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب أعمال إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني، الأمر الذي أدى إلى عزلته التامة وبداية تخلي أقرب حلفائه عنه.

أدرك أن بعض الأوساط في العالم العربي لا تزال تحاول استثمار حجم المعاناة الإنسانية الهائلة التي يكابدها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة لتخطئة حماس وتحميلها مسؤولية ما جرى، بسبب إقدامها على عملية “طوفان الأقصى”، كما أدرك، في الوقت نفسه، أنه لم يكن في مقدور الكيان الصهيوني أن يجرؤ على ارتكاب كل ما اقترفه من جرائم في حق الشعب الفلسطيني لولا تخاذل معظم الأنظمة العربية، وخصوصاً تلك التي ترتبط معه بمعاهدات سلام، ومع ذلك فليس في وسع أي مراقب منصف لمسيرة الصراع ضد هذا الكيان سوى الاعتراف بأن “طوفان الأقصى” لم يحدث من فراغ، كما قال السكرتير العام للأمم المتحدة.

وهو الذي أنقذ القضية الفلسطينية من محاولات التصفية التي كانت تتعرض لها، والتي كانت على وشك أن تتكلل بالنجاح، وهو الذي دفع هذه القضية نحو صدارة جدول أعمال النظام الدولي بعد أن كاد العالم ينساها وينصرف عنها تماماً، وخصوصاً بعد تخلي عدد كبير من الأنظمة العربية عنها.

كما أنه ليس في وسع أي مراقب منصف للطريقة التي تدار بها هذه الجولة من جولات الصراع المسلح سوى الإقرار بأن حماس، ومعها سائر فصائل المقاومة الفلسطينية، وكل فصائل محور المقاومة الذي يساندها على الصعيد الإقليمي، تدير هذه الجولة بحنكة واقتدار شديدين.

وتجلت هذه الحنكة وتلك المقدرة ليس في طريقة إدارتها للمعارك العسكرية التي تجري في ميدان القتال، منذ أكثر من ستة أشهر فحسب، بل أيضاً من خلال إدارتها للمفاوضات السياسية غير المباشرة التي تجري عبر وسطاء عرب!!

ففي جولة المفاوضات الأولى التي أدارتها في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي قبلت فيها هدنة موقتة، تمكنت الفصائل من تسجيل عدة نقاط لمصلحتها، بحيث نجحت خلال هذه الهدنة في إسقاط السردية الصهيونية بشأن ما جرى في إبان عملية “الطوفان”، وأثبتت أن المقاومة تتمتع بروح إنسانية وبسمو أخلاقي في تعاملها مع الأسرى، مقارنة بالكيان.

أما في جولة المفاوضات الحالية، والتي لم تحسم نتيجتها بعد، فتبنت فصائل المقاومة موقفاً صلباً مفاده: الأسرى في مقابل وقف العدوان والانسحاب من كل القطاع وفك الحصار وبدء الإعمار. وأدى إلى تعرية استراتيجية الكيان التفاوضية، والتي تقوم على معادلة مستحيلة قوامها: هدن موقتة لحل موضوع الأسرى، ثم استئناف القتال الذي يجب أن يتواصل إلى أن يتم تدمير الفصائل بعد انتزاع كل ما تملكه من أوراق تفاوضية!!

لم تنتهِ بعدُ جولة الصراع المسلح الحالية مع الكيان الصهيوني، والتي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، بما في ذلك احتمال توسعها وتحولها إلى حرب إقليمية شاملة، غير أن موقف فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، بقيادة حماس، يبدو أفضل كثيراً من موقف الكيان الصهيوني.

فلولا صمودها في ميدان القتال لما حققت القضية الفلسطينية أياً من الإنجازات التي حققتها حتى الآن. واستمرار هذا الصمود أكثر من ستة أشهر ليس له سوى معنى واحد، وهو أنها استعدت لهذه الجولة من الصراع استعداداً جيداً.

لذا، فالأرجح أن تكون قادرة على الصمود أشهراً أخرى طويلة، وخصوصا أن حلفاءها في محور المقاومة ما زالوا يقدمون إليها كل ما يستطيعون من الدعم والإسناد، ولن يتركوها تُهزَم حتى لو تطور القتال إلى حرب إقليمية. أما الكيان الصهيوني فهو متأزم في كل المستويات. ففي قلبه صراع داخلي حاد معرّض للتفاقم والتصعيد، ويواجه عزلة خارجية متزايدة تكاد تحوله إلى كيان منبوذ من الجميع.

لذا، نعتقد أن الصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية هو المقدمة الطبيعية التي تسبق بشائر النصر. هم يرونه بعيداً ونراه قريباً، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى