وطن

عقب اجتماعها في الجزائر.. أيّ تأثير لدول الجوار في الأزمة الليبية؟

يبدو أن دول الجوار تسابق الزمن لتثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار في ليبيا، من أجل فتح المجال أمام فرص الحل السياسي، حيث لم تنتظر سوى ثلاثة أيام عقب مؤتمر برلين حتى تداعت للاجتماع في الجزائر على مستوى وزراء الخارجية.

وشارك في اللقاء -الذي لم تدع له الأطراف الليبية- كل من ممثلي تونس ومصر وتشاد والنيجر والسودان ومالي، وذلك بحضور وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بمبرّر إطلاعهم على نتائج ندوة برلين، على حد قول وزير خارجية الجزائر صبري بوقادوم.

ومن أهم ما تمخض عنه الاجتماع: رفض التدخل الأجنبي، وضرورة حظر الأسلحة ومنع تدفقها إلى التراب الليبي، مع التأكيد “على أنه لا حل للأزمة إلا الحل السياسي الليبي الليبي”.

كما تمّ الاتفاق على “ضرورة استئناف العمل مع دول الجوار الليبي وإشراك الاتحاد الأفريقي في هذه المبادرة”، مع مواصلة التشاور والتنسيق من أجل إبلاغ موقف دول الجوار للمجتمع الدولي.

وكان لافتا خلال جلسة الافتتاح تصريح بوقادوم أن “الجزائر لا تسعى لمنافسة أي مبادرة لحل الأزمة الليبية”، مؤكدا أن هذه الاجتماع “لا يعدّ آلية وإنما اجتماعا تشاوريا للتنسيق وإسماع كلمة دول الجوار في المحافل الدولية”.

كما أكد هايكو ماس في الكلمة التي ألقاها، أن “دول الجوار هي مفتاح حل الأزمة في ليبيا، داعيا إياها إلى دعم مسار الحوار”.

.. رفض مصري

غير أن مصادر مطلعة كشفت للجزيرة نت أن “المواقف لا تزال متباعدة، خاصة مع الطرف المصري، مما جعل النقاش ساخنا إلى حدّ كبير”.

وأضاف المصدر أن مصر عبّرت بقوة -خلال الجلسة المغلقة- عن رفضها لأي “مسار يمكّن لأعدائها الأيديولوجيين من الوصول إلى الحكم”، كما أن “موقف الطرف التشادي أيضا لم يكن واضحا، وعكس الموقف الفرنسي الذي تخدمه حالة الصراع”، على حدّ وصفه.  وقال المصدر إن مسار الحل السياسي لا يزال شاقّا في ضوء اجتماع الخميس، ولكن “الجزائر تراهن على عامل الزمن، بسعيها أولا لقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية”.

وهذا ما يثير -برأي مراقبين- العديد من الأسئلة حول أوراق الجزائر وشركائها من دول الجوار لفرض رؤيتها في حلّ الأزمة الليبية؟ وماذا عن الخطوات المقبلة للوصول إلى تسوية سلمية نهائية؟

.. ديناميكية الحلّ

هذا الصدد، قال الخبير الأمني في شؤون الساحل الأفريقي أحمد ميزاب إن الدبلوماسية الجزائرية تتحرك وفق خطوات واضحة في التعاطي مع المسألة الليبية، لإدراكها أن تسريع الخطوات تمليه تطورات المشهد، بعدما خيم شبح الحرب المدمرة على كل المقاربات.

ولهذا جاء اجتماع دول الجوار بعد أيام قليلة من مؤتمر برلين، بهدف إحاطتها بمخرجاته، فضلا عن استعراض واقع الأزمة وتأثيرها على الإقليم، من أجل التشاور بشأن أدوات تفعيل ورقة برلين، كونها صدرت بقرارات دون آليات تنفيذ، مثلما أوضح ميزاب في تصريح للجزيرة نت.

واعتبر الخبير الأمني أن لقاء الجزائر يضيف لمؤتمر برلين من حيث تحديد الأهداف عبر ثلاثة محاور تتعلق بالتزام دول الجوار برفض التدخل العسكري، ورسم الخطوات اللازمة لبعث ديناميكية الحل بترجمة مخرجات برلين إلى ورقة طريق، ثم إشراك الجوار في معادلة الضغط على أطراف الأزمة والدفع بها نحو تفضيل الحل السياسي.

وشدّد المتحدث على أن “دول الجوار معنية بشكل كبير وحساس بضرورة تجنيب ليبيا سيناريو التدخل، لأنه يعني انفجار الوضع الإقليمي”.

وبالتالي، فإن عنوان المصلحة ومفهوم الأمن القومي يفرض عليها توحيد مواقفها، لأن الكل أضحى في مرمى تداعيات الأزمة، على حد تعبيره.

.. محور موسكو الجزائر

من جهة أخرى، قال الخبير الأمني نسيم بلهول -وهو عضو لدى “المجلس الأكاديمي الأوروبي ودول الجوار”- إنّ الجزائر تقوم بإحياء دورها الدبلوأمني، عن طريق الاستثمار في ورقتين سياسيتين مهمتين، ستأخذان شكل المبادرات الإستراتيجية في الأوضاع الحرجة.

وأوضح أن الأمر يتعلق بدبلوماسية البوابة الخلفية المفتوحة التي تمّ من خلالها تفكيك الكثير من الألغام وإذابة الجليد مع العديد من الفواعل الإقليمية والدولية المنخرطة في “الهندسة الأزمويّة” بالملف الليبي، وهو ما عبرت عنه سلسلة الحراك الدبلوماسي المتزايد الذي عرفته العاصمة الجزائرية مؤخرا.

بينما تتمثل الورقة الثانية -بحسب بلهول- في تفعيل محور موسكو الجزائر، عن طريق تحريك الإستراتيجيات الصامتة، عبر تقديم الأدوات الاستخباراتية كوسيط دبلوماسي أكثر منه أمني، لتذليل عقبات الحوار بين الفرقاء في ليبيا.

وفي إطار ما بعد برلين، سيتم استغلال ثقل هذا المحور ضمن استمرار “عملية اليد المبسوطة”، كتقليد إستراتيجي جزائري روسي، وبذلك ستكون نتائج الذكاء الإستراتيجي أهمّ من آثار القوة في ملف ليبيا، على حدّ وصفه.

وعن المراحل المقبلة بعد اجتماع الجزائر، تحدث بلهول عن محاولة الذهاب بشكل جادّ نحو شراكة واتفاق إستراتيجي مهم مع تركيا، كمحاولة جزائرية لتقييد ومحاصرة إسطنبول للعدول عن المخاطرة بالتدخل عسكريا في ليبيا، وهو ما اصطلح عليه بالعقلنة الجزائرية للسلوك الإستراتيجي التركي.

وأضاف أن الجزائر ترفض التعامل مع تنظيمات أو شخصيات غير رسمية أو “تتمتع بأدوار مشبوهة أو مرتزقة على غرار المشير (خليفة) حفتر”، لكون حسابات الواقع الإستراتيجي تقتضي ضبط النفس أكثر من إظهار اصطفاف الجزائر مع أحد المعسكرين.

ويقول بلهول إنها مع ذلك ستسعى من خلال الشريك الإستراتيجي الروسي من أجل الضغط على حفتر، من خلال ضمان توازن قوى المعسكرين على أرض الواقع، واختراق الجدار الجغرافي الليبي الواقع تحت سيطرته، بواسطة وصول الدبلوماسية الإنسانية الجزائرية إلى مراكز السلطة الجغرافية لقوات حفتر.  وتابع أن “اتجاهات غير رسمية لتلطيف الأجواء وتقويض مشاعر كراهية وحقد دفين مستدام من طرف حفتر تجاه العاصمة الجزائرية، من شأنه أن يؤسس لمسافة مهمة نحو حوار جاد بين الفرقاء الليبيين”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى