عن أي خليجٍ وعالمٍ عربي تتحدثون؟

إبراهيم فلامرزي

يوم السبت الماضي، قامت الرياض بالدعوة لقمتين خليجية وعربية تُعقدان في مكة المكرمة، في الثلاثين من شهر مايو. وتبع ذلك، بساعاتٍ، تصريحات عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية، بشأن ما وصفها بالاعتداءات الإيرانية التي ستناقشها القمتان، وعرَّجَ، كالعادة، على بلادنا مردداً نفس الادعاءات المملة الكاذبة لتبرير مشاركة بلاده في حصارها. وهو ما يدفعنا لقراءة الدعوة والتصريحات في سياقهما السياسي الصحيح.

أوهام السيطرة على الإدارة الأمريكية: من المضحك سياسياً أن الرياض وأبوظبي تتوهمان أن الإدارة الأمريكية خاضعةٌ لهما منذ تولي ترامب الرئاسة سنة 2017م، لأنهما تتفقان معه كلياً بشأن الإجهاز على القضية الفلسطينية بصفقة القرن. ولذلك قامتا بممارسة سياسة القوة العسكرية الهمجية في اليمن، وحاصرتا بلادنا، ودعمتا عميلهما الميليشياوي حفتر في حربه على الحكومة الشرعية بطرابلس، وابتعدتا عن التخطيط الاستراتيجي السليم حين لم تواجها نفوذ إيران في سوريا من خلال دعمٍ حقيقي لشعبها، ولا في اليمن بدعم القوى الوطنية الحقيقية المعادية للحوثيين، وإطلاق مشروع مارشال خليجي لإعماره وتنميته، وإنما أرادتا جرَّ الصراع ليكون الخليج ساحةً له بحربٍ تتحالفان فيها مع الكيان الصهيوني، وتعتمدان على القوة العسكرية الأمريكية. وهذا كله وهمٌ لأن أقصى ما يمكن أن تصل إليه أمريكا في صراعها مع إيران هو توجيه ضربات محدودة جداً لبعض سفنها الحربية في الخليج، دون أن تبالي بتبعات ذلك على المنطقة.

تفجيراتٌ مخابراتيةٌ وهجومٌ حوثي: ولأن الدولتين لا تملكان أدنى قدر من الرؤية الاستراتيجية، فإنهما قامتا بعمل مخابراتي مفضوح في ميناء الفجيرة اتهمتا إيران به، بغرض تحقيق هدفين: الأول، جرُّ الولايات المتحدة نحو المواجهة العسكرية. والثاني، تعطيل العمل في الموانئ العمانية للضغط اقتصادياً على عمان، وتعطيل دورها السياسي المتزن في المنطقة. ثم جاء الهجوم الحوثي على مواقع نفطية بعيدة عن اليمن بحوالي ثمانمائة كيلومتر، ليكشف عن هشاشة الاستعدادات السعودية لمواجهة حرب حقيقية ما دامت لم تستطع حتى اليوم مواجهة ميليشيا مسلحة معزولة دولياً. ومما زاد في الضغط على الرياض أن المجتمع الدولي لم يُبدِ اهتماماً بالتفجيرات والهجوم، فشعرت بالعزلة، واندفعت نحو إيجاد جبهة عربية تساندها.

خليجٌ عربيٌّ ممزقٌ: فقد انهار مجلس التعاون عملياً بسبب السياسات الرعناء للدولتين ضد بلادنا، وسياسات التجبر والكِبْرِ ضد الكويت، والتآمر والدسائس ضد عُمان. لذلك، نستغرب الدعوة لقمة خليجية ما دامت السعودية هي الطرف الرئيس في تمزيق الخليج. فإذا كانت صادقةً في دعوتها، فعليها وحلفائها إنهاء الحصار، والاعتذار عنه، وتعويض قطر، دولةً وشعباً، عن الأضرار التي ترتبت عليه. أما أن يقوم الجبير بتكرار نفس الادعاءات الكاذبة، فهذا يعني أن الرياض تفتقر إلى مخططين سياسيين واستراتيجيين قادرين على صياغة سياساتها الخارجية تبعاً لمصالحها وليس لمصالح وأهواء قيادة أبوظبي.

عالمٌ عربيٌّ مضطربٌ: من أشد الأمور إثارةً للاستهجان، أن الرياض طرفٌ رئيسٌ في كل المآسي العظيمة التي تمر بها دولٌ عربيةٌ كاليمن وليبيا، و لها دورٌ كبيرٌ، مباشرٌ وغير مباشرٍ، في دعم الأنظمة الاستبدادية في سوريا ومصر، وليس لها أي تأثير إيجابي في الشعوب العربية الرافضة لسياساتها وسياسات أبوظبي. ورغم ذلك، تدعو لقمة عربية!. ونسألها عن الذي سيمثل ليبيا، مثلاً، هل سيكون رئيس الحكومة الشرعية أم القائد الميليشياوي حفتر؟ يبدو أنها لم تفكر في كثير من الأمور التي تخبرها بأن القمة فاشلةٌ قبل عقدها.

قمتان تغيب عنهما القضايا الحقيقية: كان ينبغي للرياض أن تستثمر دعوتها للقمتين في استعادة مكانتها وتأثيرها في العالم العربي، فتؤكد على أنهما ستبحثان التأكيد على دعم الحق المطلق للفلسطينيين في نضالهم لإقامة دولتهم، وإطلاق مشروع سياسي لإنهاء الصراع في اليمن وليبيا وسوريا، وأخيراً، مناقشة السياسات الإيرانية في العالم العربي وكيفية مواجهتها بتنمية المجتمعات والدول العربية التي لا تحتاج إلا لدعمٍ اقتصادي وسياسي يجعلها أكثر حصانةً في مواجهة تلك السياسات، إلا أن ذلك لم يحدث، وظلت الرياض أسيرةً لما تراه عيون أبوظبي.

الشرق القطرية

 

Exit mobile version