فكتور هيغو وألبير كامو في مدارات النضال ضد عقوبة الإعدام

جميل أن نتأمل في هذا اليوم الإشكالي من موقعنا، نحن العرب، اليومَ العالمي لإلغاء عقوبة الإعدام، في عالم يزداد ضراوة وعنفًا. فقبل وصول فرنسا مثلاً في 10/10/1981 (وهو تاريخ إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا) إلى هذه المرحلة، كانت قد مرت بمخاض كبير أفضى إلى هذه النتيجة.

كاتبان عظيمان جعلا من هذه القضية رهانًا تاريخيًا، هما: فكتور هيغو وألبير كامو، والتزما به حتى النهاية. المسافة بينهما كبيرة من حيث الزمن، لكن القيمة الإنسانية واحدة.

وقف هيغو ضد عقوبة الإعدام في قصته (آخر يوم على محكوم بالإعدام)، ونشر هذه القصة في 1829 بدون توقيع، ثم أعاد نشرها في 1832 باسمه مع مقدمة، وهو صاحب مقولة: «حيث تسود عقوبة الإعدام تسيطر الهمجية». وفي مرافعته الكبيرة، ندد علانية بهذه العقوبة، في البرلمان، في 15 سبتمبر 1848: انظروا.. تأملوا.. تلحون على المثال.. لماذا؟ لأنه يعطينا درسًا. أي درس تريدون بمثالكم؟ انه يجب عدم القتل. وكيف تعلمون ذلك؟ بالقتل؟ لقد كان هيغو من الكتاب الأوائل الذين رفعوا أصواتهم ضد عقوبة قاسية كانت لا تمس في الأغلب الأعم إلا البؤساء.

ولم يكن ألبير كامي في كل رواياته، ومنها (الطاعون)، و(الغريب)، وبقية نصوصه الأدبية ورسائله، أقل حدة من هيغو؛ فقد رفض عقوبة الإعدام واعتبرها جريمة، وكتب عنها كثيرًا في جريدة «المعركة» في فترة النازية، مدافعًا عن أطروحته، وأنقذ-بفضل جهوده الميدانية واتصالاته-أناسًا كثيرين من مصير تراجيدي محتوم، بما في ذلك بعض المناضلين الجزائريين، إبان حرب التحرير من هذه العقوبة الهمجية، كما سماها.

طبعًا، ليس من السهل إقناع الناس بالتسامح مع قتلة. فأولاً، لا يمكن لأحد أن يبرر الجريمة، وبالخصوص جرائم القتل، وهذا صاحبها يستحق كل العقوبات الزاجرة التي تعطي درسًا للغير، لكن القتل المقابل لم ولن يكون الوسيلة المثلى، وإلا سنعود إلى قانون تاليون القديم: العين بالعين والسن بالسن»، الذي تم استيحاؤه من قوانين الملك حمورابي (1792-1750 ق.م). ولا بد من إيجاد عقوبة أخرى أكثر تأثيرًا، وخاصة في حالات القتل العمد والاغتصابات التي لا شيء يبررها. والقضاء طبعًا هو الذي يقدر الخيارات، لأن البشاعة من القوة بحيث يصعب جدًا تحملها بسهولة وبدون ردة فعل في مستوى الجريمة المرتكبة.

هذا كله مفهوم؛ لكن بالنسبة إلى هوغو وكامو فهناك وجهة نظر أخرى تنطلق من سؤال بسيط ولكنه قوي: هل هذا يحل مشكل الجريمة؟ هل يسهم في بلورة مفهوم معين يحفظ كرامة الإنسان ويحمي الضعفاء؟ هل يردع الجاني أو الجناة المحتملين؟ تبين الإحصاءات أن الإعدام لا يردع ولا يحل معضلة الجريمة مطلقًا، بل إن النسب تكبر، لأن دائرة الانتقام تتسع، ودوامتها تزيد تواترًا.

لا يمكن في النهاية حماية المجتمع من الانزلاق، لهذا كان نضالهما قويًا سياسيًا وأدبيًا. وفي (آخر يوم على محكوم بالإعدام)، حاول فكتور هيغو التأثير على قارئه من خلال توصيف الجانب النفسي للمحكوم عليه بالإعدام وهو ينتظر الموت؛ كيف يتم قص شعره عند حدود الرقبة حتى لا يعطل مرور شفرة المقصلة.

الإعدام قد يشفي غليل أهل الضحية، كما تبين الرواية، ولكنه لا يحل الإشكال أبدًا. ولسنا أمام مظهر انتقامي فردي، ولكن أمام جريمة مقننة اجتماعيًا، تتعامل معها الدولة وليس الأفراد. أي أن الدولة تصبح شريكًا انتقاميًا، على الرغم من أنها المجتمع الناظم. لهذا لا يمكن أن يكون الانتقام هو الوسيلة البديلة للجريمة.

وماذا عن مجتمعاتنا العربية حيث قيمة الإنسان مبتذلة، ويتم إعدام البشر بالمئات وكأن شيئًا لم يكن، بسبب تسيد اللاقانون والدكتاتوريات العربية المريضة والإرهاب؟! لنا في العراق وسوريا ومصر واليمن وليبيا وبعض دول الساحل الإفريقي نماذج عن الموت اليومي والمجاني. لهذا يبدو الموت عاديًا، ولا يثير الإعدام أي تساؤل لأنه أقل مما يحدث في الواقع. وكل شيء عربيًا يتم، في أغلب الأحيان، في ظل قوانين الطوارئ، ولا سلطة للقضاء ولا للقانون كليًا. الحاكم يعدم من يشاء وكيفما يشاء؛ بالاختطاف.. بالذبح.. بتدبير الحوادث… وفي هذا المشهد الدرامي يصبح الحكم بالإعدام كأنه لا حدث.

ما تزال المجتمعات العربية تسير بقوانين يحكمها منطق الانتقام القبلي والعشائري، «رأس برأس». ولا أعتقد أن شخصًا ما فقد عزيزًا على يد تنظيم إرهابي، مثلاً، سيرحم سجينًا إرهابيًا كان السبب في جريمة اغتصاب أخته أو أمه؟ فاحترام القانون فقط يقتضي وجود دولة ضامنة لهذا القانون، وهي غير متوفرة اليوم، ويحتاج أيضًا إلى جيش امتلك حدًا من الثقافة الإنسانية واحترام قانون الدولة خارج الانتقامات العشائرية أو القبلية أو الإثنية أو الدينية والطائفية.

إعدام السجين بلا محاكمة يعدّ جريمة أيضًا، وإلا لا معنى للدولة. لا أعتقد أن الوضع سيتغير. سيستمر ما دامت الدولة الوطنية والديمقراطية مجرد حلم عربي بعيد المنال. وإن تأمل الظاهرة والتفكير فيها يقتضي التوقف عند هذا الموضوع وتأمله قليلًا. التفكير في مثل هذه القضايا مهم جدًا لأنه تأملي وملتصق بالضرورة بالمستوى الحضاري لأمة من الأمم.

كان على البشرية انتظار أكثر من قرن بعد نداء فكتور هيغو، ثم ألبير كامو، ليأتي الرئيس الراحل فرانسوا ميتران ويسمع لنداءاتهما ويلغي عقوبة الإعدام نهائيًا يوم 10 أكتوبر 1981. ولا يمكن أن يظل قدر العالم العربي الغرق المستمر في الدم والأوحال، ورهين قانون تاليون: «العين بالعين والسن بالسن»، الذي مرت عليه عشرات القرون، وكأن البشرية لم تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام.

واسيني الأعرج/   القدس العربي

 

Exit mobile version