قانون جديد للانتخابات في الجزائر.. هل يُصلح ما أفسده التزوير و”المال السياسي”؟

الجزيرة نت

كشفت الرئاسة الجزائرية عن مشروع قانون لإصلاح النظام الانتخابي الذي يوصف -من قِبَل المسؤولين قَبل المعارضين- بـ “المشوه بفعل التزوير وتغوّل المالي السياسي”، حيث عالجت المحاكم مؤخرا قضية فساد انتخابي في رشاوى قدرت قيمتها بنصف مليون دولار، تورّط فيها رجل أعمال من أجل تصدر قائمة الحزب الحاكم.

وفي هذا الإطار، شدّد الرئيس عبدالمجيد تبون، خلال آخر اجتماع عقده مع “لجنة أحمد لعرابة” المكلفة بإعداد الوثيقة على تجسيد الالتزام بـ “أخلقة الحياة السياسية”، وإبعاد تأثير المال السياسي عن المسار الانتخابي، وفسح المجال للشباب والمجتمع المدني في صناعة القرار، وضمان انتخابات شفافة. ومن أبرز البنود الواردة في المشروع المكون من 310 مواد، أنّ السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات “تمارس صلاحياتها منذ استدعاء الهيئة الناخبة إلى غاية الإعلان عن النتائج”، ويُنتخب رئيسها من أعضاء مجلسها “بأغلبية الأصوات”.

غير أن الملاحظة الرئيسية على مشروع القانون، بحسب سياسيين، تتمثل في أن المادة 20 تمنح رئيس الجمهورية صلاحية تشكيل “السلطة المستقلة”، والمكونة من 20 عضوا من بين الشخصيات غير الحزبية، من بينهم عضو واحد عن الجالية.

 

القائمة المفتوحة

وقلبَ المشروع بشكل نهائي نمط الانتخاب من القائمة المغلقة إلى المفتوحة، حيث نصّ على أنّ المنتخبين للبرلمان والمجالس المحلية يُختارون “بطريقة الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة وبتصويت تفضيلي دون مزْج”، أي أن الانتخاب يتركّز على المرشحين بالأساس. وبخصوص تمويل الحملة الانتخابية، حظرت المادة 87 على “كل مترشح أن يتلقى بصفة مباشرة أو غير مباشرة، هبات نقدية أو عينية أو أي مساهمة أخرى، مهما كان شكلها، من أي دولة أجنبية أو أي شخص طبيعي أو معنوي من جنسية أجنبية”. كما أنشأ المشروع لدى السلطة المستقلة “لجنة مراقبة تمويل حسابات الحملات الانتخابية والاستفتائية”.

ومن التغييرات المهمة التي جاء بها مشروع القانون إسقاطه “نظام المحاصصة” الذي فرضه القانون السابق منذ 2012 لصالح النساء، مكتفيا بضرورة المناصفة في الترشيحات، وتخصيص ثلثها على الأقل للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، تحت طائلة عدم قبول القوائم. ونص كذلك على أن “يكون ثلث مترشحي القائمة على الأقل من مستوى تعليمي جامعي”، بالنسبة للبرلمان والمجالس المحلية على السواء.

وتماشيا مع روح الدستور الجديد، “يمتنع كل مترشح أو شخص يشارك في الحملة الانتخابية عن كل خطاب كراهية وكل شكل من أشكال التمييز”، بحسب ما ورد في المادة 74.

قطيعة مع الماضي

وتثمينا لتلك المقترحات، أكد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي، أن هذا المشروع سيضع حدا “للفساد والرشوة والتزوير”، حيث إن “الشركات، أو ما يسمى بسوق النفوذ، لا يمكنها تمويل المترشحين في الانتخابات مهما كانت الصفة”. أمّا في الساحة السياسية، فقد تباينت ردود الفعل، حيث ثمّن التجمع الوطني الديمقراطي المبادرة باعتبارها تجسيدا إضافيا لالتزامات الرئيس تبون.

وقال محمد فادن، القيادي في الحزب، إنّ محتوى المشروع يكرس القطيعة مع الممارسات الماضية، مؤكدا أنه يعكس نية وأحكاما صريحة لمحاربة المال السياسي الفاسد في الانتخابات. وأشاد في تصريح للجزيرة نت بتعزيز مكانة المرأة والشباب وسلطة الانتخابات، مؤكدا أن ترحيبه بالمشروع بصفة عامة جاء لغلبة محاسنه على النقائص.

لكن موقف المساندة لم يمنع العضو السابق بالمجلس الدستوري من إبداء عدة ملاحظات، يتقدمها التخوّف من استمرار التجوّل السياسي وكثرة القوائم التي تعقّد من خيارات الناخب، وبروز ظاهرة الأوراق الملغاة، وفق النمط الانتخابي الجديد.

هل من مزيد؟

من جانبها، دعت حركة الإصلاح الوطني، الداعمة للرئيس تبون، إلى رفع قيد النسبة المطلوبة (وفق نتائج آخر انتخابات أو عدد التوقيعات للمرشحين الجدد) للمشاركة في مختلف الاستحقاقات المقبلة، بهدف استقطاب كل الفاعلين والمواطنين.

وأكّد رئيسها فيلالي غويني في تصريح للجزيرة نت أن المشروع عمل على ضبط آليات واضحة لاستبعاد المال الفاسد وشراء الذمم، وغيرها من الممارسات التي تستهدف الفئات الاجتماعية الهشة. ورافع المتحدث لتحيين عدد أعضاء البرلمان والمجالس المحلية وفق الزيادة الديمغرافية في السنوات الأخيرة، مع مراجعة توزيع المقاعد النيابية بما يشمل المحافظات الجديدة في الجمهورية. وشدّد فيلالي على ضرورة مراعاة مقترحات الأحزاب، خاصة تلك التي تعبّر عن توافقات واسعة للطبقة السياسية.

تحفظات وانتقادات

أمّا حركة مجتمع السلم، فقد أبدت تحفظها على انفراد رئيس الجمهورية بتعيين أعضاء السلطة المستقلة، “ما يجعل المفاصل الرئيسية للعملية الانتخابية متحكمًا فيها”. وأوضح ممثلها ناصر حمدادوش أنّ “تدابير اللجان الانتخابية المحلية في مشروع القانون تلغي دور السلطة المستقلة، وتحفظ العشّ الأساسي للتزوير أثناء جمع الأصوات”.

وأثار في حديثه للجزيرة نت إشكالية المناصفة في ترشيح النساء، متوقعًا أن تتسبب في إشكالات واقعية، إذ يتعذر تحقيقها في مناطق مُحافظة أو ذات كثافة سكانية، لاعتبارات تتعلّق بانخراط المرأة في قضايا الشأن العام. كما ثمّن النمط الجديد للانتخاب، فهو يقلص من التنافس غير الشريف على رأس القائمة والترتيب فيها، ويقلص من المال السياسي الفاسد، لكن لا تزال الخشية قائمة من تحوّله إلى شراء الأصوات، على حدّ تعبيره. وحذّر حمدادوش السلطة من تمرير القانون على طريقة الاستفتاء الدستوري، دون حوار حقيقي حول مضمونه وتوافق فعلي بشأن رزنامة الانتخابات.

انتكاسة..

من جهة أخرى، وصف فيصل بلجيلالي، الممثل عن “التيار الأصيل” لقوى الحراك تبعيّة السلطة المستقلة للانتخابات لرأس السلطة التنفيذية بـ”الانتكاسة”، متسائلا: أين هو التجسيد العملي لصفة الاستقلالية؟! وقال في تصريح للجزيرة نت إنه “لا جدوى من تعديل قانون الانتخابات في ظل تصحير الساحة السياسية وتحييد وإقصاء القوى الحراكية، خاصة الشبابية من الفضاء العام وإمكانية الوصول لحكم البلاد وتسيير المؤسسات”.

واعتبر أن الطريقة والمحتوى والتوقيت الذي طرحت به السلطة مسودة القانون العضوي للانتخابات، يؤكد تعمدها مرة أخرى “تجاهُل كل مطالب التغيير، مثلما فعلت سابقا مع رئاسيات 12 ديسمبر/كانون الأول، ثمّ الاستفتاء الدستوري”. وعليه سيدفع الأمر -يقول بلجيلالي- القوى الحراكية لمواصلة مسارها المستقل عن السلطة، حتى تبلغ غايتها في التغيير العميق والشامل.

Exit mobile version