كلّنا فلسطينيون

يقظان التقي

نحن “كلنا فلسطينيون” جملة بسيطة جدا وشاملة، رفعها المتظاهرون شعارهم في عواصم أوروبية وعربية تضامنية مع الشعب الفلسطيني في وجه البروباغندا الإعلامية الغربية على الشاشات والصحف والدوريات والتلفزات التي صبّت جام غضبها على حركة حماس في تعاطف ودعم لإسرائيل، وهي تحصي للأخيرة أعداد قتلاها وأسراها، متناسية أرقام الحروب والمجازر والجرائم الإسرائيلية في طوفان دم لحق بالشعب الفلسطينيين في مائة سنة إلى الصفقات والتسويات التي تغطّي على احتلال بشع وبغيض.

 

تراجع البيت الأبيض عن تصريحات للرئيس الأميركي، جو بايدن، أعرب فيها عن استيائه مما وصفها بـ”صور عنيفة” لمشاهد من عملية طوفان الأقصى، لينفي متحدّث باسم البيت الأبيض لاحقا، ويقول إنه “لا الرئيس بايدن ولا أي مسؤول أميركي رأى أي صور أو تأكّد من صحة تقارير بشأن ذلك بشكل مستقل”، وأن التصريحات بشأن الفظائع المزعومة استندت إلى مزاعم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وتقارير إعلامية إسرائيلية.

 

استخدمت إسرائيل كل أساليب التضليل الإعلامي واتجاهاته وآلياته من تضخيم ومبالغة والإطباق (الهاشتاغ) والإيحاء الخبيث (الهولوكوست) وأسلوب توظيف المؤثرين والملاحقة وأسلوب التفسير الاحتيالي والتصيّد والقنص وصناعة الحملات وأسلوب الإعلانات الموجّهة الممّولة والصور المركبّة، لسرقة الانتصار العسكري والأمني والاستخباراتي الذي صنعته حركة حماس. في وقت أكّدت فيه الأخيرة أن “المقاومة الفلسطينية لا تستهدف الأطفال والنساء”، ودعت وسائل الإعلام الغربية إلى “تحرّي الدقة وعدم الانحياز للرواية الإسرائيلية”. وهذا يصيب الإعلام الغربي بحرج وخجل كبيرين، إذ يعلق على الأحداث الكبرى باستمالاتٍ عاطفية، لا تستند إلى أدلة، وبانحياز كبير غير مسبوق لإسرائيل، وتأييد أعمى مباشر لها. والمطلوب أن يرى بعينين صافيتين الجرائم والمذابح التي ترتكبها إسرائيل والوضع المأساوي في غزة التي تقطع عنها الماء والكهرباء والطعام والهواء.

 

قرأنا مانشيتات وعناوين صحافية غربيّة تبشيرية مرعبة. كل هذا التهذيب عن الكبرياء الإسرائيلي المفجوع! ولا يرى إلى تاريخ الجرح الفلسطيني، كأن ما قبل “طوفان الأقصى” كان طبيعيا وهادئا وجميلا مع حكومة يمينية متطرّفة طاردتها مئات المقالات عن العنصرية والتمييز والديمقراطية المفقودة. وبواقع وجود دولة تشرّع توسعة المستوطنات وقتل الفلسطينيين وتشريدهم من بيوتهم ومن حاضرهم ومستقبلهم. هذه أمور كان على الإعلام الغربي أن يستذكرها بقوة، ولا يلتزم دوامة الصمت العبثية والمعيبة إزاء ما يتعرّض له الفلسطينيون من حصار ويتألمون يوميا، ويبدي اهتماما بحماية المدنيين الفلسطينيين (غير المشاركين) في غالبيتهم المليونيّة بقتل المدنيين الإسرائيليين واقعا. مدنيون فلسطينيون سقط منهم أزيد من أربعة آلاف شهيد بينهم مئات الأطفال ومئات النساء، عدا عن مئات آلاف النازحين مع طلب إسرائيل من الأمم المتحدة ترحيل 1.1 مليون فلسطيني الى جنوب القطاع. وفي الصورة التي لم تُخف الصحافة الغربية استشهاد 44 فلسطينيا من عائلة واحدة، وإبادة 50 عائلة داخل منازلها وخلال نزوحها القسري، عدا عن ضرب آلاف الوحدات السكنية وانهيارها أو تضررها بشكل كبير، وتدمير مدارس مساجد وكنائس ومرافق أخرى، ولا تغيب عن البال المجزرة في ضرب مستشفى المعداني، وذلك كله فضلا عن انقطاع الكهرباء والمياه وشللّ عمل القطاع الصحّي والخروج من الخدمة، في تجاهل متعمّد للقانون الدولي الذي يعد هذه الأمور جرائم حرب. يضاف الى ذلك الفصل والجدران والاحتلال وإقفال المعابر وقتل الصحافيين الهمجيّ في غزّة وجنوب لبنان، وسط أوضاع عمل صحافية ميدانية/ مستحيلة ما فوق التوصيف في غزّة.

ليس في افتتاحيات كبرى الصحف والمجلات الغربية غير المندهشين والمصدومين والمفجوعين على أعداد القتلى والأسرى الإسرائيليين، قبل أن يصلوا إلى أعداد مضاعفة آلاف المرّات فلسطينيا جرّاء الاحتلال وإعطائه رخصة في القتل الجماعي والتهجير. وفي حالة حصار غزة الجديد ما تعتبره الأمم المتحدة أدلة قوية على حصار شامل محظور (وصفت هيومن رايتس ووتش تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت عن الفلسطينيين في قطاع غزة أنهم حيوانات بشرية بالمقزّزة). لا يتأمل الإعلام الغربي في عذابات الشعب الفلسطيني، ولا يتعمّق في جذور الأزمة، لا بالمعنى الإنساني والمهني، ولا بالمعنى السياسي الذي يشكّل قاعدة صلبة في البحث الجاد من أجل حلّ عادل للقضية الفلسطينية.

حق “الدفاع المشروع” المزعوم لا يعني حق الانتقام من دون تمييز بين الفلسطينيين. لا يوجد تناقض بين ذمّ الإرهاب ومعالجة جذوره. كلتا العبارتين صحيحة في ما خصّ إرهاب الدولة الإسرائيلية، وليس حق المقاومين في حركة حماس الدفاع عن فلسطينيتهم. لقد وصلت الأمور إلى أنساق عنف هددّ فيها وزراء في حكومة نتنياهو المتطرّفة بترحيل كامل الفلسطينيين من أراضيهم. مع ذلك، كأنها الحرب العالمية الإعلامية على “حماس”، وفي انحراف كبير خرجت فيه الميديا والدبلوماسية الغربية المتمايزة عن تقاليدها الأساسية، والتي كانت تعتمد على منطلقات مستمدة من الشرعية الدولية وأسس قوة الحق والعدل (وزير الخارجية الفرنسية الأسبق دومينيك دو فيلبان)، فتخرج الأمور تبشيرية/ يهودية (أنتوني بلينكن) في عناوينها وتصريحاتها، وفي انقيادها الكامل لصالح دولة احتلال بذريعة ما ارتكبته “حماس” المتهمة بفلسطينيتها.

كأن عملية طوفان الأقصى أصابت نوعية حياة الأوروبيين وثقافتهم المعاصرة، فقد أعرب الرئيس بايدن عن غضبه بشكل مؤثر. ويبقى على العالم أن يتأمل، لكنه لا يستطيع أن يفترض، في أنه (بايدن) أوضح جدّيا لنتنياهو أنه سيعارض بقوة العقاب الجماعي على الفلسطينيين. وفي التعريف التناسب القانوني الإنساني مبدأ أساسي في القانون الدولي يقضي بأن شرعية عمل تتحدّد حسب احترام التوازن بين الهدف والوسيلة والطريقة المستخدمة لبلوغه، وكذلك عواقب هذا العمل وحجّة الضرورة العسكرية وفائض استخدام القوة العسكرية والتناسب في الهجمات والانتقام، ويستخدم معها القانون الدولي الإنساني، وأن على أطراف النزاع التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.

سقط كثير من الإعلام الغربي في التقدير الإجمالي للقيم، من دون معيار القياس في الزمان والمكان في ما تمارسه إسرائيل من القتل المستهدف واستخدام وسائل غير قانونية. لسنواتٍ غضّت عواصم العالم الطرف عن انتهاك نتنياهو المتكرّر لاتفاقيات أوسلو وبناء المستوطنات وتقويض المعتدلين في السلطة الفلسطينية. وقد أعاد ما فعلته “حماس” القضية الفلسطينية إلى قلب الموضوع. كانت موضوعا يحكى عنه بالخطابة الرنانّة والشعارات، فرجعت القضية إلى قلب الشرق الأوسط.

العربي الجديد

 

 

Exit mobile version