عاجل :
الرئيسية / مقالات / مقروئية المنافي العربية في فرنسا

مقروئية المنافي العربية في فرنسا

واسيني الأعرج

كلما تعلق الأمر بالمهاجر العربية في فرنسا أو في أوروبا، استيقظ سؤال الدياسبورا التي كانت وما تزال حلماً يراود العرب في منافيهم. القصدية تتعلق هنا فقط بفكرة المقروئية، أي بجزء من النشاط الذهني لهذه الدياسبورا.

هل يقرأ العرب أدبهم في فرنسا حتى ولو كتب بلغة أخرى غير اللغة العربية؟ هل لهم علاقة بلغتهم التي تجمعهم، العربية؟ نستطيع القول إن الجمهور الذي يستهدفه الأدب العربي المترجم إلى اللغة الفرنسية يكاد يكون هو نفسه جمهور الأدب العربي المكتوب أصلاً بالفرنسية. جمهور العرب المغتربين الذين اختاروا فرنسا منفى لهم. ربما شكّل المغاربيون الغالبية العظمى لهذا الجمهور. المشكل الأساسي هو أن هذا الجمهور الافتراضي في عمومه، ليس معنياً دائماً بالقراءة، أو حتى بالأدب. فقد هاجر نحو فرنسا، عبر التاريخ، لأسباب اجتماعية، وتحصيله العلمي محدود، وذائقته الأدبية تكاد تكون في الدرجة الصفر، وارتباطه بالعالم العربي يكاد يكون معدوماً إلا من خلال ردود الفعل المباشرة من العنصرية، أو غيرها من الظواهر القاسية التي تعيد الإنسان إلى أصوله الأولى على الرغم من انقطاعه عنها منذ أجيال. يجب أن نقول أيضاً، في هذا السياق، إن وضعية العالم العربي في تمزقه البنيوي العميق لا تقدم لوحة إيجابية يُحتذى بها، من خلال الانغلاق الديني، والأفعال الإرهابية التي كثيراً ما تلصق بهم ويستعملها الإعلام المتطرف لأغراض سياسوية. والنخبة المثقفة منها أكثر ارتباطاً بالجمهور المفرنس. عينات قليلة تذهب نحو الكتاب العربي في لغته الأصلية أو عن طريق الترجمة الفرنسية. لكن السنوات الأخيرة شهدت اهتماماً متزايداً بالنسبة لهذه الجالية، لمعرفة تاريخها وهويتها التي لا تحمل بالنسبة للفرنسي المتوسط أكثر من كلمة عربي، وينضوي تحت هذا النعت كل المغتربين القادمين من العالم العربي، بمن فيهم البربر، والأكراد، والمسيحيون، والمسلمون، وغيرهم. كل شيء يتسطح بالنسبة لهذا الجمهور الذي يحدد مسارات الانتخابات، وتراهن عليه الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة الرافضة للعربي، الأمر الذي قوّى الجانب الهوياتي لدى العربي ودفع به نحو اللغة العربية لدراستها، أو نحو النصوص العربية المترجمة لفهم تاريخه، أو جزء منه، ومحاولة استعادة ثقافته المطموسة. بل إن بعضهم ذهب نحو اللغة العربية لتعلمها.

ينبغي التأكيد في هذا السياق على أن معهد العالم العربي، هذا الصرح الكبير والمعلم الحضاري الذي شل في السنوات الأخيرة بسبب صعوبات مالية كثيرة، لعب أيضاً دوراً كبيراً في تعليم اللغة العربية للأجانب وأبناء الجاليات العربية على حد سواء، والتعريف بثقافتها وحضارتها القديمة والحديثة، وهو ينظم المعارض الكبرى التي تحظى بإقبال هائل من قِبل الجمهور الفرنسي. نذكر هنا على سبيل التمثيل لا الحصر، معرض العلوم العربية في عصرها الذهبي التي قدمت منذ سنوات، ومعرض البندقية والشرق، ومعرض التراث المغاربي، ومعرض جزائر الرسامين من دولاكروا إلى رونوار.. إلخ. وهو ما منح الجميع فسحة ثقافية مهمة للتعرف على تاريخ ظل موجوداً ومتخفياً في الوقت نفسه.

المشكلة هي أن الفرنسيين بخاصة، والأوروبيين عموماً، يحبون الشيء ويكرهونه في الوقت نفسه؛ يحبون ثقافة الآخر بشكل ما من الأشكال، على الأقل من حيث الخطاب، ولكن في الوقت نفسه يخافونها. هناك تخوف في فرنسا وعموم أوروبا والغرب كله من انتشار اللغة العربية وثقافتها أكثر مما يجب. السبب هو ارتباط العربية، في وعي ولا وعي الجمهور الأوروبي البسيط، بأحداث العنف التي تحدثها الجماعات الأصولية المسلحة. أصبحت اللغة العربية رديفاً للإرهاب والاختزال والأصولية، وهو ما ترتب عنه مشكلات هوياتية ولغوية وقرارات أيضاً حجمت من تواجد اللغة العربية في المنظومة التعليمية، وغُيب كلياً الجهد التنويري العربي، هذا الأخير الذي كان الضحية الأساسية لمثل هذه الممارسات الظلامية. ويبدو أن الانتساب إلى الثقافة العربية، والدين الإسلامي، وهوية الأجداد، هي الوسائل الوحيدة المتاحة لإثبات الذات في ظل قسوة الإقصاء المتكرر وتعويض سياسة الوطنية والتعددية الثقافية بسياسة الغيتو التي حاربتها فرنسا دائماً قبل انحراف اليمين التقليدي، نحو خطابات اليمين المتطرف لأسباب انتخابية بحتة، في فترة ساركوزي وكثير ممن أتوا بعده.

العودة إلى اللغة العربية، بغض النظر عن المناورات الإسلاموية، تظل تشكل ردة فعل من وضع غير عادل، وهو ما يبدو كأنه خزان في صالح الكتاب العربي. لكن المتأمل لن يجد إلا نسبة قليلة تتجه نحو الكتاب الأدبي العربي، وأغلبها لا يقرأ أكثر من القرآن الكريم أو الكتاب الديني أو ما يدور في فلكه، حتى دون فهمه. لهذا، فالكتاب الأدبي العربي المترجم لم يستنفد من هذا التحول إلا قليلاً. التحول بطيء لكنه موجود، انعكاساته الإيجابية على القراءة الإبداعية تكاد تكون منعدمة، أو غير ظاهرة على الأقل.

هناك جمهور آخر أهم، له تقاليد قرائية موروثة من المدرسة الفرنسية، وله أيضاً انتماءات غامضة بحكم أن أهله، الآباء أو الأجداد، ينتمون إلى الثقافة المغاربية، بالخصوص الأقدام السوداء، أي ساكني الجزائر من الأوروبيين في الفترة الاستعمارية، ويشعر بجاذبية عربية غامضة. وقد لاحظت شخصياً ذلك في كثير من حفلات التوقيع، حيث يعلن الشاب أو الشابة، الذي يشتري الكتاب، أن أهله من الأقدام السوداء ويريد أن يكتشف أرض أجداده وثقافتهم. وهو جمهور لا يستهان به أبداً، لكنه غير منظم. يشكل قوة ثقافية كبيرة في فرنسا. صحيح أن انشغالات الأقدام السوداء القدامى كانت مرتبطة أكثر بالأدب العربي الفرانكفوني، لكن انشغالات الأبناء تختلف؛ فهم يبحثون عن كل شيء يقربهم من أراضي آبائهم وأجدادهم.

يمكننا أن نقول هنا أيضاً بأنه جمهور في طور الانتشار والتكون، ولكنه موجود ويعلن عن نفسه في المعارض واحتفالات التوقيع واللقاءات الثقافية. هناك طبعاً جمهور آخر في فرنسا، نموذجي، مرتبط أكثر بالقيم العالمية، ويقرأ كل النصوص التي اخترقت حدود المحلية، ولا تهمه الأرض التي جاء منها هذا الأدب إلا بقدر القيم الجمالية التي يحملها. الذين يقرأون اليوم أركون، ودرويش، وأدونيس، وغيرهم، ليسوا العرب المفرنسين فقط، فثمة جمهور إنساني واسع تهمه القضايا العربية بكل تعقداتها، بوصفها قضايا إنسانية تستحق أن يتوقف الإنسان عندها لفهمها. ويبحث في سياقها عن المعنى الإنساني الجوهري، لأن العالم العربي غير منفصل عن منظومة عالمية ما تزال تنظر لهذا العالم من منظور التبعية وليس التمايز.

القدس العربي

شاهد أيضاً

بين ثقافة المنصب وثقافة المجتمع

عبدالعزيز بن محمد الخاطر الخميس تجسير الهوة النفسية بين منصب السلطة والمواطن أمر بالغ الأهمية …