مقالات

مُت فارغاً

فاطمة يوسف الغزال

عش ممتلئاً ومت فارغًا، مت معطاءً ولا تمت بخيلاً، هذه العبارة شدتني لأبحث عن هذا الكتاب العظيم الذي ألفه الباحث الدكتور تود هنري وهو أمريكي الجنسية، واستلهم تأليف هذا الكتاب عند حضوره أحد الاجتماعات عندما سأل المدير الأمريكي الحضور قائلا: ما أغنى أرض في العالم؟، طبعا الإجابة المنطقية والفورية لهذا السؤال: مكان أو دولة معروفة بأنها أغنى دولة في العالم، لكن سؤال تود هنري ليس لهذا الأمر.. وأكمل لكم الحكاية!

فأجابه أحدهم قائلا: بلاد الخليج الغنية بالنفط.

وأضاف آخر: مناجم الألماس في أفريقيا. فعقّب المدير قائلا: بل هي المقبرة!.

نعم، إنها المقبرة هي أغنى أرض في العالم، لأن ملايين البشر رحلوا عنها «أي ماتوا» وهم يحملون الكثير من الأفكار القيِّمة التي لم تخرج للنور ولم يستفد منها أحد سوى المقبرة التي دُفنوا فيها.

ألهمت هذه الإجابة تود هنري لكتابة كتابه الرائع «مُت فارغاً»، والذي بذل فيه قصارى جهده لشحذ همم البشر بأن يفرّغوا ما لديهم من أفكار وطاقات كامنة في مجتمعاتهم وتحويلها إلى شيء ملموس قبل فوات الأوان، وأجمل ما قاله تود هنري في كتابه (لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائما أن تموت فارغاً).

..مفهوم (مُت فارغاً)

ظننته في البداية مفهوم عادي يعني مُت فارغا من هموم الدنيا، من آلامها، من المعاصي والآثام، من الأفكار السلبية، ومن كل شيء..

ولكنني تفاجأت بأن هذا المعنى هو فقط جزء من المقصود به، مُت فارغا مصطلح قديم لكنه متجدد، ومفهوم عتيق لكنه مستحدث، ومعنى أصيل في ديننا لكنه معنى فريد، وتعبير موجود في أخلاقنا لكنه تعبير بليغ، قصد به المؤلف ما يلي: مُت فارغاً من كل الخير الذي في داخلك وسلّمه قبل أن ترحل.. أو إذا كنت تملك فكرة.. نفذها علماً، بلغها هدفاً.. لا تكتم الخير داخلك فتموت ممتلئا متخوماً وتكون لقمة سائغةً لذيذة لدود الأرض. وكتاب مُت فارغًا هو أداة للأشخاص الذين لا يرغبون في تأجيل أهم أعمالهم – ولا يقصد هنا العمل الوظيفي بل عمل حياتك القابع بداخلك إلى الغد. ويعدد تود هنري الأشياء التي تبقينا في حالة رجوع، ثم يفصل كيفية التخلص منها وغرس ممارسات ثابتة في حياتنا تجعلنا نسير على الدرب الصحيح ونفرغ أسمى ما فينا. فلنكن جسوراً يعبر من خلالها العلم لمن يخلفنا على هذا الكوكب وإلا فكيف وصل إلينا علم من قبلنا؟.

..ولنا في رسولنا الكريم أسوة حسنة

قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». رواه البخاري وصححه الألباني، فتأمل معي أيها القارئ الكريم في حث النبي صلى الله عليه وسلم لنا للأخذ بزمام المبادرة والسعي في إعمار الأرض حتى وإن قامت الساعة، وما أدراك ما الساعة؟! أليس هذا المفهوم النبوي الذي أراده نبينا العظيم أن يوصله لأمة الإسلام التي تسيَّدت العالم في القرون الأولى وسادت الأرض علماً وحضارة وتقدماً بهذا المفهوم العلمي وشحذ هممهم وأبدعوا في كل العلوم الفلكية والجغرافية والحسابية والعلمية واكتشفوا لعالمنا اليوم أدوات حياتهم التي نعيش بها إلى يوم أن تقوم الساعة، وماذا حدث لنا حينما تأخرنا عن العالم وسبقنا من استفاد من علمنا؟، ما حدث هو شيء بسيط هو تركنا لمفهوم النبوة الذي ارتضاه لنا الله وأوحى به الى نبينا الكريم ليبلغنا به (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون)، وقد جاء في هذه الآية أن الله تعالى أعز هذه الأمة بأشرف خلقه وأحبهم إليه بمحمد صلى الله عليه وسلم. شرف الأمة وعلو مكانتها وعزتها تكون بالتمسك بالكتاب والسنة. وما حدث للأمة اليوم ناتج عن تخليها عن كتابها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم. النبوي الذي تركنا عليه. المنهج الذي تركنا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم نور وهداية. لا يمكن أن تعود العزة إلى هذه الأمة إلا إذا رجعت إلى المنهج الذي تركها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أجل يريد حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا المفهوم أن نموت فارغين، ونعيش كل يوم، كأنه آخر يوم وأن نعطي كل ما نملك، وأن نبذل من الطاقة أقصاها، ومن العمل أفضله، ومن الإبداع أروعه وأن نكون ملهمين، فرحين، متفائلين، نسعى أن نكون فارغين، حتى تسمو أرواحنا، وتحلق عالياً. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.

..هل أنت فارغ؟

وهناك الكثير من الأعمال التي يمكن أن تقوم بها لكي تفرغ ما بدواخلك، وتقدمه للبشرية بدلا من وقوفك ساكنا دون أدنى فائدة:

٭ شارك في عمل تطوعي أو خيري.

٭ انشر محتوى كتاب مفيد.

٭ أسس أو شارك في نادي قراءة واحضر الندوات والمحاضرات والدروس.

٭ علِّم غيرك لغة جديدة تتقنها.

٭ ثقِّف غيرك بعلمك النافع.

٭ شارك خبراتك العملية مع الآخرين.

٭ ازرع شجرة لتحصد ثمرها.

والقائمة تطول وليصنع كل شخص قائمته بنفسه، ومُت فارغاً.

كسرة أخيرة

نزن آلاف الأطنان من الخير والعطاء والإبداع والحب والأمل. ولكننا لا زلنا لم نعط إلا القليل ولعلنا نصنف بالبخلاء!، وكم أتمنى أن نشمر ونبدأ بالسباق، لنعطي ونستخرج كل ذرة خير داخلنا، عندها فقط سنكون خلفاء الله في الأرض، أتمنى أن تصل هذه الفكرة إلى أعماق قلوبكم، وتخلل بعض أفكاركم، وتستقر بالتالي في أعماق عقلكم الباطن، وتصبح عادة إيجابية تظهر في سلوككم اليومي.

الشرق القطرية

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى