مقالات

هل هي حقاً هجرة أدمغة؟

راغب جابر 

حفلت مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما موقع “فايسبوك”، بالكثير الكثير من التعليقات على عمليات الاقتراع للانتخابات النيابية اللبنانية في بلدان الاغتراب في القارات الخمس. تعليقات اللبنانيين على المجريات وعلى الكلام الذي قيل، والتغطيات الإعلامية وتصريحات المقترعين والمقترعات عبّرت بكثير من الصراحة عن الواقع اللبناني الذي يدعو إلى الضحك والبكاء في آن واحد. نعم هذه انتخابات تُضحك وتُبكي، وهذا سر من أسرار هذا الشعب.

ناشطو “فايسبوك” لم يتركوا الحدث يمر مروراً عابراً. هالهم ما سمعوه وما شاهدوه. هم الذين طالما عبروا على صفحاتهم عن ضيقهم وتبرمهم من وضع البلد وأوضاعهم، وحملوا لواء الدفاع عن المهاجرين، واصفين هجرتهم بهجرة الأدمغة ومحملين الطبقة السياسية مسؤولية الخراب وهذه الهجرة “القاتلة”.

أحدث تصويت المغتربين صدمة لدى هؤلاء. كتبت إحداهن “المغترب يلي الو عمر مهاجر وانتخب اليوم نفس الجماعة يدخل ضمن فئة هجرة النخاعات.. الأدمغة صوتت صح”. وكتبت أخرى “من إيجابيات انتخابات المغتربين انو راح تصدقوا انو ما في شي اسمو هجرة أدمغة”. بعضهم الآخر ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في هجومه.

على طريقة الديموقراطية في الأنظمة المتخلفة، احتفل لبنانيو المهاجر القريبة والبعيدة بالانتخابات وكأنها عرس، ستكون نتيجته ذرية جديدة من الشخصيات السياسية التي ستقود البلد في المرحلة المقبلة وتصعد به من الهاوية. وكأن لبنانيي المهجر كانوا ينتظرون مناسبة وطنية كبرى بحجم الانتخابات ليخرجوا ما في أنفسهم من مكنونات، ويفصحوا عن كونهم لا يزالون لبنانيين في كل شيء، خصوصاً في تمسكهم بعصبياتهم القاتلة.

يعترف كثير من المغتربين اللبنانيين بأنهم تعرفوا إلى أبناء الطوائف الأخرى في المهجر، وبأنهم فوجئوا بأنهم يشبهونهم، حتى أن بعضهم اكتشف أن بعض أبناء الطوائف “العدوة” أقرب إليه من أبناء طائفته.

هذا المنحى، معطوفاً على احتمالات الاندماج الاجتماعي والثقافي بالمجتمعات الديموقراطية، كان مؤشراً إيجابياً إلى إمكان أن يؤدي المغتربون، بعدما أصبحوا وزناً فاعلاً، دوراً كبيراً في التغيير في البلد، لكن البروفة الاستباقية قبل معركة الرايات الملونة في 15 أيار كشفت رسوخ مجموعة من القناعات والسلوكيات الغريبة، يتساوى في ذلك مغتربون في أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا، ومغتربون في أنغولا ونيجيريا وكوت ديفوار والغابون، وفي سوريا وإيران ودول الخليج.

“الفولكلور” السياسي اللبناني المحلي طغى على المشهد في بلدان الاغتراب. حمل المغتربون معهم عدّة الشغل ذاتها من مدنهم وقراهم: الرايات والشعارات والألوان الحزبية والطائفية والعصبية المتحجرة، وكثيراً من الرواسب المتناسلة منذ العصر الحجري وحتى اليوم.

كأنهم يعيشون في مدنهم وقراهم وزواريبهم المحلية الضيقة، هم في برلين وأوتاوا وياموسوكرو ولاغوس وباريس ودبي وبغداد ودمشق وطهران والكويت وغيرها من العواصم والمدن التي اقترعوا فيها. شعب في المجمل عصي على التغيير. الخوف هو على العالم من أن يتطبع بطباع اللبنانيين المغتربين وعقولهم.

كشفت انتخابات المغتربين، كما نقلتها وسائل الإعلام المتنافسة، أن اللبناني في المهجر هو نفسه في لبنان لا يتغير ولا يتبدل، وفيٌ لانتمائه الطائفي، عصيٌ على التأقلم مع تقاليد المحاسبة والمساءلة التي تتميز بها المجتمعات التي يعيش فيها، وبخاصة الغربية منها، وأن لجوءه هارباً من الفقر والتعتير والظلم والخوف لم يزده إلا تعلقاً بظالميه، فهو كالفراشة التي تظل تحوم حول الضوء حتى تحرقها حرارته.

فرح المرشحون التغييريون بالإقبال على صناديق الاقتراع ورفع رايات التغيير، لكن الاستطلاعات الفورية والمشاهد المنقولة مباشرة أظهرت تجذر الطبقة السياسية، حتى في المغتربات وفي أوساط الهاربين منها أصلاً. تحدثت التحليلات فور انتهاء العملية الانتخابية عن توازن. خرج الجميع منتصرين على طريقة برنامج الأطفال الفرنسي القديم الشهير الذي لا يخسر فيه أحد “ecole des fans” ومقدمه الراحل جاك مارتان.

هذا سر لا يعرفه إلا الراسخون في العلم. لا تسألوا الناس عن عقولهم، فأجوبة بعض المقترعين دلّت بما لا يقبل الشك على أن العقل معطل، أنه شيء من دمج الحقيقة بالخيال عندما يقول مغترب إنه فر من لبنان لأن الطبقة السياسية هجّرته وفي اللحظة نفسها يضيف أنه اقترع للطبقة نفسها؟ هل تراه يكافئها على طردها إياه من البلد المعدم إلى بلد الاغتراب الذي يؤمّن له السكن والماء والكهرباء والمدرسة والجامعة والطريق والمستشفى وباب الرزق والمستقبل له ولأولاده وأقاربه الذين سيسحبهم لعنده لاحقاً؟ هل هي طريقة من الشكر؟ ربما!.

هل كانت فعلاً هجرة أدمغة؟ وهل كان اقتراع أصحاب أدمغة؟ على أصحاب الأدمغة أن يجيبوا!.

النهار العربي

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى