مقالات

هل يتغير العالم للأفضل أم للأسوأ؟

جمال أبو الحسن

هذا سؤال لدى كلٍ منّا تقريبًا إجابة واضحة عنه. أغلب الظن أنها إجابة سلبية. معظمنا يرى أن الأوضاع فى العالم تتجه إلى الأسوأ. ليس من الصعب ملاحظة تطور الأحداث، وبخاصة فى الأعوام الأخيرة ومنذ جائحة كورونا، فى صورة منحنى هابط. الجائحة جرّت فى ذيلها حربًا فى قلب أوروبا لها تداعيات عالمية تبدو أشد تأثيرًا بكثير من أى شىء عرفناه فى العقود الأخيرة. هذه الأحداث، بالذات، تُسهم فى تكوين انطباعات سيئة عن اتجاهات المستقبل. غير أن هذه الأحداث، وانطباعاتنا حيالها، تكشف أيضًا عن شىء آخر قَلّما نلاحظه.

إن تصورنا عن الأوضاع فى العالم يبدو، فى الأغلب وبالنسبة لسوادنا الأعظم، أسوأ مما هو قائم بالفعل فى الواقع. آية ذلك أن الانطباع عن سوء الأوضاع العالمية لم يكن وليد جائحة كورونا، بل كان سابقًا عليها. سيناريوهات الانحدار البيئى والاحتباس الحرارى والتراجع الاقتصادى وتفشى اللامساواة على صعيد عالمى كانت كلها رائجة ومتداولة قبل كورونا، وقبل غزو روسيا لأوكرانيا. معنى ذلك أننا لم نكن واعين على نحو كافٍ بالاحتمالات الكامنة لانحدار الأوضاع لما هو أسوأ. بعبارة أخرى: لم نكن نُقدر بصورة كاملة العناصر الجيدة والإيجابية فى الأوضاع التى تمر بنا، وكنا نراها بمنظار أكثر سوادًا بكثير.

هذه طبيعة بشرية لا حيلة لنا فيها. نحن نرى الجزء الفارغ فى الكوب، ونتوقع الأسوأ بسهولة. تُغفل عقولنا، من دون وعى كامل منّا، عناصر التحسن والتطور فى الأوضاع. السبب وراء ذلك أن التحسن فى الأحوال يجرى على نحو تدريجى بطىء، بينما الانحدار يكون فى العادة مفاجئًا وصادمًا. إن تشييد مبنى كبير قد يستغرق شهورًا أو سنوات، ولكن انهياره يحدث فى لحظات. الجوانب السيئة، فى أى وضع، تعلق بوعينا أكثر من العناصر الإيجابية، شأنها شأن الذكريات السيئة التى تسكن أدمغتنا وتنمو بداخلها وتعشش فيها، فتبدو- بمرور الوقت- وكأنها أضخم وأشد تأثيرًا بكثير مما كانت فى الواقع. لو قُلتُ لك مثلًا إن 170 ألف إنسان كانوا يُغادرون وهدة الفقر المدقع والعوز عبر السنوات والعقود الماضية، فإن ذلك لن يُثير فى نفسك شيئًا.. هذا التطور يجرى بصورة بطيئة ووئيدة، وعلى نحو تدريجى. أخبار إفلاس بلد مثل سيريلانكا، أو وقوع بلد فى براثن المجاعة من جديد، مثل الصومال، تمثل أخبارًا ومعلومات تلتصق بأذهاننا بصورة أشد، وتسهم فى حكمنا على الواقع بما يفوق إحصائيات الفقر المدقع التى صادفت تحسنًا لافتًا ومذهلًا.

رؤية أوضاع العالم كما هى فى الواقع، وعلى أساس علمى يقوم على المقارنة، تُعد أمرًا بالغ الصعوبة، ذلك أن رؤية الواقع تظل بالضرورة عملية انطباعية وانتقائية، وليست موضوعية أو علمية. عندما نحكم على وضع ما، فإننا نُجرى المقارنات.. ولكن مقارنات مع ماذا بالضبط؟. أغلب الظن أننا نُقارن الوضع القائم بمثالٍ متخيل فى أذهاننا لما ينبغى أن يكون عليه الحال. النظرة الصحيحة، مع ذلك، تقتضى مقارنة الأوضاع بما كانت عليه فى الماضى. هذا هو المعيار العلمى الوحيد للحكم على تحسن وضع ما من عدمه.

والحقيقة أن أغلبية المؤشرات العالمية، وبواقع الإحصائيات والأرقام، تُشير إلى اتجاه إيجابى. هذا قد يكون مدهشًا لأغلب سكان العالم تقريبًا، خاصة فى أيامنا هذه التى تخيم عليها سُحبٌ سوداء كئيبة من الركود الاقتصادى وانعدام اليقين على المستوى الدولى، والمخاطر الصحية الداهمة. أهم مؤشر للحكم للأوضاع يتعلق بالغِنى والرفاهية. لنحو 4000 عام من التاريخ البشرى المُسجل كان معدل النمو لا يتجاوز 0.1% سنويًّا فى المتوسط. معنى ذلك أن مضاعفة الإنسان لرفاهيته كانت تستغرق المئات بل الآلاف من السنوات. الثورة الصناعية غيّرت كل شىء، وعلى نحو متسارع ومذهل. فى عام  1900 م لم يكن الناتج العالمى الإجمالى يتجاوز 3 تريليونات دولار (مُقوَّمة بحساب أسعار التضخم اليوم). فى 2018 وصل الناتج العالمى إلى ما قيمته 121 تريليون دولار. فى مائة عام زاد الناتج 40 ضعفًا تقريبًا. تصور أن يمتد هذا الخط الصاعد إلى المستقبل.

على أن المؤشر الأخطر ينصرف إلى معدلات الفقر المدقع. لقد عاش أغلب البشر، وبنسبة تتجاوز 90%، فى كافة المجتمعات والأماكن تقريبًا، فى حال من الفقر والكدح. 10% فقط عاشوا فى وفرة نسبية، وكانوا غالبًا من النبلاء والكهنة والعسكريين، ممن لم يكونوا يعملون بالزراعة. فى 1830م كان 95% من سكان العالم يعيشون فى فقر مدقع. فى 1990م، انخفضت هذه النسبة إلى 40%. ثم حدث تطور مذهل ولافت، ومسكوت عنه فى أغلب الأحوال، خلال الثلاثين عامًا الماضية، إذ انخفض معدل الفقر المدقع إلى 10%. لقد شهدنا، فى حياتنا، أسرع معدل شهدته الإنسانية لتقليص الفقر.. ولكن هذا لم يكن خبرًا مهمًّا لأغلبنا!.

قل مثل هذا عن التطور الصحى المذهل الذى شهده زماننا، والذى يجعل الإنسان فى هذا الزمان يتمتع- فى المتوسط ومع أخذ التفاوت بين الدول فى الاعتبار- بأفضل رعاية صحية على مر التاريخ. والأمر ذاته ينطبق على المجاعات، التى كانت حتى وقت قريب حدثًا متكررًا فى مناطق العالم المختلفة، بما فى ذلك القارة الأوروبية، التى شهدت مجاعات عدة شهيرة فى القرن التاسع عشر. المجاعة أيضًا، وباستثناءات قليلة، صارت شيئًا من التاريخ. حالات المجاعة القليلة التى تقع اليوم، والتى بدأت للأسف تُطل برأسها من جديد فى بعض أركان المعمورة، تكون فى الغالب مُحصلة لأوضاع سياسية، كما هو الحال مع اليمن مثلًا، التى تشهد الأزمة الإنسانية الأسوأ على الإطلاق فى زماننا هذا.

أعداد السكان تُمثل مؤشرًا آخر مهمًّا. أعلنت الأمم المتحدة، قبل أيام، أن عدد سكان الكوكب سوف يصل إلى 8 مليارات إنسان بحلول نوفمبر القادم. تُثير الزيادة السكانية، غالبًا، مخاوف «مالتوسية»- نسبة إلى عالِم الاقتصاد الإنجليزى الأشهر «توماس مالتوس»- لدى الناس، إذ تُعطى الانطباع بأن الموارد لن تكفى البشر. الحقيقة، التى يُجمع عليها متخصصو السكان كافة تقريبًا، أن سكان الكوكب سوف يصلون إلى الذروة فى ستينيات أو ثمانينيات القرن الحالى (نحو 10 مليارات إنسان)، ثم تبدأ أعدادهم بعد ذلك فى التراجع. السبب وراء ذلك أن الاتجاه العام فى العالم هو تراجع معدلات الخصوبة لدى المرأة، وتراجع أعداد الأطفال الذين تُنجبهم فى حياتها.

والمحصلة أن مؤشرات الأوضاع العالمية تظل، في مجملها، إيجابية. ينطبق ذلك حتى على المؤشرات التى عادة ما تكون سببًا فى تكوُّن انطباعاتنا السلبية عن الأوضاع مثل الانفجار السكانى، بل إن هناك مَن يجادل بأن المؤشرات البيئية تُصادف تحسنًا هى الأخرى، بالمقارنة بالعقود الماضية (تذكر أن المعيار الوحيد للمقارنة هو الماضى، وليس المثال المنشود!).

على أن انطباعاتنا السوداوية عن الأوضاع العالمية ليست كلها وليدة الخيال، أو الكسل فى الاطلاع على الإحصائيات. الحقيقة أن هذه الانطباعات لها ما يُبررها، خاصة فى الشهور الأخيرة، فالحاصل أن هذا التحسن المُذهل فى رفاهية البشر ونوعية حياتهم، وعلى رأسه تراجع معدلات الفقر المدقع، يعود إلى أسباب جوهرية. السبب الأهم على الإطلاق وراء التطور البشرى هو الاستقرار. الاستقرار والأمن، على صعيد عالمي، هو السلعة الأهم فى عالمنا. هى سلعة لا ندرك أهميتها سوى عند افتقادها أو تعرضها للتهديد (كما هو حادث الآن مثلًا بسبب الحرب فى أوكرانيا). هذا الاستقرار والأمن النسبى هو ما مهد لنمو التجارة العالمية على نحو غير مسبوق منذ تسعينيات القرن المنصرم، فيما يُعرف بظاهرة العولمة.

اليوم، نعرف أن ذلك ليس أمرًا مفروغًا منه، وأن هذا «الأمن العالمي» لا يمثل طبيعة الأمور. اليوم.. نُعاين بأنفسنا، عبر أركان العالم، كيف يمكن أن تسوء الأشياء، وتنحدر الأوضاع بخفة وسرعة مرعبة. ربما يخلق هذا فى داخلنا وعيًا جديدًا يجعلنا أكثر امتنانًا فى المستقبل للأزمنة الجيدة عندما تمر بنا!.

المصري اليوم

 

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى