مقالات

هل ينبغي لنا أن نقلق من “إعصار” اقتصادي يقترب؟

هاميش ماكراي
لقد عدنا إلى العمل. بعد أربعة أيام من الاحتفالات باليوبيل [البلاتيني لجلوس الملكة إليزابيث الثانية على العرش]، سيعود الناس في المملكة المتحدة إلى الواقع ليواجهوا مشكلاته. لقد انتهت الحفلة. ماذا بعد؟
هناك عديد من القصص [المسائل] الاقتصادية التي تهدد بأن تتفاقم قبل أن تتحسن. وإحداها هي فوضى السفر. وهو يتخذ الشكل الأكثر وضوحاً في مطارات المملكة المتحدة حيث تلغى رحلات وتتراكم أمتعة، لكن هذه ليست مشكلة خاصة بالمملكة المتحدة فحسب، إذ تلغى رحلات جوية في مختلف أنحاء أميركا وأوروبا، فقد ألغت “كاي أل أم” الرحلات الأوروبية المنطلقة من مطار سخيبول [في أمستردام] السبت، ولفتت إلى حشود فيه. ويبدو أن مطار دبلن تمكن من العودة إلى وضعه الطبيعي بعد الفوضى التي سادته قبل أسبوع، لكن يبدو حقاً على الرغم من ذلك أن المملكة المتحدة تعاني أكثر مقارنة بعديد من البلدان الأخرى.
وفي السياق ذاته تأتي سلسلة الأنباء السلبية من شركات التكنولوجيا الفائقة في الولايات المتحدة، حيث تجري تخفيضات تدريجية. يقول إيلون ماسك، إن لديه “شعوراً بالغ السوء” حيال الاقتصاد، وإنه يريد خفض عدد العاملين في “تيسلا” بنسبة 10 في المئة. وتفرض “نتفليكس” و”ميتا” (الشركة الأم لـ”فيسبوك”) تجميدات في مجال التوظيف، بل إن “أمازون” نفسها تطبق تخفيضات على ما يقال.
يمثل عدد الموظفين واحداً من الأشياء الأولى التي تنظر فيها الشركات عندما تخشى من تغيرات سلبية، وتجميد التوظيف هو القرار الفوري الذي تستطيع أي شركة أن تتخذه. وإذا  تحسنت الأمور، يمكن تخفيف التجميد. وهذا يعني أن تعليق التوظيف هو إنذار مبكر يعتد به مما قد يأتي.
لقد ضخم هذه المخاوف جايمي دايمون، رئيس “جاي بي مورغان تشايس”، الذي حذر من “إعصار” اقتصادي يقترب. وقبل أسبوعين، حذر الرئيس التنفيذي السابق لـ”غولدمان ساكس”، لويد بلانكفاين، على نحو مماثل من “خطر شديد للغاية” يتمثل في الركود، على الرغم من اعترافه بأن الركود ليس “أمراً حاسماً”.
حين يصدر اثنان من كبار أعضاء الأرستقراطية المالية في أميركا تحذيرات رهيبة كهذه، حري بنا نحن الآخرين أن نتنبه ونأخذ التحذيرات في الاعتبار. هناك القول المأثور المعروف “عندما تعطس أميركا، يصاب العالم بالبرد”، ومن المؤكد أن ركوداً أميركياً من شأنه أن يبعث على القلق في مختلف أنحاء أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، لسبب واضح مفاده أن الاقتصاد الأوروبي أكثر عرضة إلى التأثر بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، والعواقب المترتبة على ذلك.
ثم هناك التضخم الذي يضرب في كل مكان، فآخر الأرقام الواردة من أوروبا الأسبوع الماضي، أشارت لارتفاع فاق التوقعات إلى 8.1 في المئة، ومن المتوقع الآن أن يزيد المصرف المركزي الأوروبي معدلات الفائدة الشهر المقبل.
لذلك هناك كثير من المجريات والأحداث حالياً، وتتمثل المشكلة في كيفية فرز الإشارات الواضحة من كتلة الضوضاء في الخلفية. وفي اعتقادي الشخصي أن أفضل طريقة لتحقيق هذه الغاية تتلخص في تقسيم الأمور إلى أجزاء صغيرة. إليكم بعضها.
أولاً، الاضطرابات [في قطاع الخدمات]. تتلخص المشكلة في أننا إذا قلصنا قطاعاً ما ثم أعدنا توسيعه، سنواجه مشكلات. وقطاع الخدمات معرض إلى خطر في شكل خاص لأنه لا يستطيع تخزين ناتجه. ولن يستمر التقليص إلى الأبد، بل سيستمر طيلة الصيف والخريف. ومن الناحية الواقعية، لا أستطيع أن أرى هذه الحال تنتهي إلى أن يجري التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا.
ثانياً، نقص العمالة. هذه مسألة عالمية، وعلى نحو ما، مسألة جديرة بالترحيب، لأنها تعني أن العاملين من الممكن أن يحصلوا على وظائف بسهولة أكبر من أي وقت خلال السنوات الـ40 الماضية، وأن أصحاب العمل سيضطرون إلى تعلم كيفية معاملة الموظفين في شكل أفضل إذا كانوا يريدونهم أن يبقوا، لكن مع تطبيق الشركات الكبرى في الولايات المتحدة تجميدات في التوظيف، يظهر ذلك أن النقص سيبدأ في الانحسار. وفي الوقت الحالي، يقتصر هذا الأمر على قطاع التكنولوجيا الفائقة لكن نطاقه قد يتسع أيضاً.
وأنا أيضاً متحمس لمعرفة بما يحدث في سوق العمل. والدليل غير مؤكد لكن يبدو أن الشركات تتعلم كيف تجتذب الموظفين، لا سيما الشباب، من خلال تحسين الطرق التي “يلحقونهم بالعمل” بواسطتها. إنه تعبير قبيح لعملية ضرورية. إذا رغب المرء في أن يعمل لشركته أشخاص جيدون، لن يكون عليه أن ينشئ حزمة جذابة فحسب. فالحزمة الجذابة هي المرحلة الأولى. وتليها المرحلة الثانية عندما يوظف المرء الموظف. والرسالة هي أن المرء، إذا أراد الاحتفاظ بالموظفين، يجب أن يولي اهتماماً أكبر إلى تلك الأشهر الأولى، لكي يشعر الموظفون بأنهم مقدرون وبأن مهاراتهم تطور.
ومن ثم، هناك التوقعات الإجمالية في ما يتصل بالاقتصاد الكلي. سيحصل نوع من التباطؤ، واحتمال تحوله إلى ركود تقني- فصلان متتاليان من النمو السلبي– يبدو لي أقل أهمية من الصورة الأشمل والمتعلقة بما لو كان هناك نمو جيد للسنوات الخمس المقبلة، وليس الأشهر القليلة المقبلة. والواقع أنني متفائل إلى حد كبير بأن المملكة المتحدة ستتجنب الركود، لكنني أقر بأنني قد أكون مخطئاً.
وأخيراً هناك المال. هل تستطيع المصارف المركزية أن تشدد الائتمان من دون التسبب في انهيار مالي؟ مرة أخرى، أعتقد أن ثمة أسباباً للتفاؤل، لأسباب منها أن ليس من مصلحة أي شخص أن يحدث انهيار، بل وأيضاً لأن النظام المصرفي يتمتع بالقوة الكافية للتعامل مع الأوقات العصيبة.
هذه قائمة طويلة من المخاوف تمتد طيلة الصيف والخريف، لكن لكي نضع هذه المخاوف في منظورها الصحيح، لا بد من أن نقلق نحن الآخرين حين يندفع المصرفيون وكبار رجال الأعمال بالثقة في الذات. والآن إذ يشعرون بالخوف، كما ينبغي لهم أن يفعلوا، ربما نستطيع نحن الآخرين أن نسترخي قليلاً. فلنعد إذا إلى العمل.
اندبندنت عربية

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى