مقالات

وداعا أبقراط.. حياة البشر بيد الروبوتات

علي قاسم

قَسَمٌ أخلاقي يكرره الأطباء قبل البدء بممارسة المهنة بصياغات مختلفة تتنوع حسب لغات العالم وثقافاته المختلفة، يجمع بينها التأكيد على بذل كل الجهد وتسخير المعرفة لصون حياة الإنسان. ما من مهنة أخرى تلزم ممارسيها على مثل هذا القسم، الذي جرى العمل به منذ 2500 عام تقريبا، وينسب إلى أبقراط الطبيب اليوناني الذي لقبه العرب بـ”الفاضل”.

تفردت مهنة الطب وحدها، دون سائر المهن، بقسم أخلاقي لسبب واضح وبسيط؛ خطأ الطبيب تتوقف عليه حياة البشر. أي إهمال أو سوء تشخيص أو سوء علاج قد تكون عاقبته وفاة المريض. وهذا، إن حدث في مهن أخرى، حدوثه لن يكون على نفس السوية.

نظريا، قد يقتضي العرف استمرار هذا التقليد المتبع عبر العالم ألف عام آخر، أو ألفين. أما عمليا، فإن الحاجة إليه قد تنتفي خلال عقد من الزمن أو أقل.

الأطباء، ومعهم الصيادلة، كانوا دائما الأكثر عرضة لارتكاب الأخطاء. لا يوجد بيننا من لم تتأثر حياته، إن لم يكن من تجربة شخصية، فمن تجربة قريب أو صديق، بخطأ طبي. إن استثنينا الأخطاء داخل غرف العمليات، فإن أخطاء التشخيص ومن بعده العلاج الموصوف، تأتي على رأس القائمة. لمعرفة السبب، فتش عن البيانات. طالما شكل حجم البيانات والمعلومات الضخمة التي يتوجب على الطبيب التعامل معها يوميا، مشكلة لا يمكن تجاوزها، رغم أنها السبب غالبا وراء الأخطاء المرتكبة أحيانا. ولأن البيانات وقود الذكاء الاصطناعي، كان لا بد، خلال السنوات العشر الماضية من اللجوء إلى هذه التكنولوجيا، التي اقتحمت كل مظاهر حياتنا، بحثا عن حل.

لم يخيب الذكاء الاصطناعي أمل العاملين في قطاع الصحة والصيدلة. والسنوات الثلاث الماضية شاهد على ذلك. ولأن الحاجة أم الاختراع، شكلت عملية البحث عن لقاح ضد فايروس كوفيد – 19 فرصة كبيرة أمام الشركات والأفراد لاختبار الخوارزميات، واستطاعت شركات مختلفة التوصل بسرعة لم تكن ممكنة في السابق للقاحات أثبتت فاعليتها.

التباعد الاجتماعي هو الآخر ساهم في الدفع لاعتماد الاستشارات الطبية التي تقدمها التطبيقات الذكية للمرضى بشكل مباشر دون حاجة للطبيب.

دور الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي لم يعد مقتصرا على روبوتات تذكر المرضى بمواعيد تناول جرعات الدواء، ومرافقة كبار السن وقياس درجة حرارة المريض. هناك ثورة قلبت المفاهيم القديمة وفتحت آفاقا كان مجرد الحلم بتحقيقها مستحيلا.

واحد من تلك الآفاق، تقديم خدمات الرعاية الصحية. حيث تعتبر مشكلة تراكم البيانات، من سجلات وصور تتعلق بالحالة الصحية لكل مريض، مشكلة طالما عانت منها المؤسسات. لتثبت حلول الذكاء الاصطناعي نجاعتها، في تحليل البيانات وكشف النماذج واستخلاص الرؤى التي لم يتمكن الجهد البشري من العثور عليها. وبوجود التعلم العميق تستطيع مؤسسات الرعاية الصحية استخدام الخوارزميات لمساعدتها في اتخاذ قرارات أفضل.

في كل زيارة نقوم بها لطبيب مختص، نتوقع أن يطلب منا عمل مسح ضوئي لأخذ صور أشعة، لقطع الشك باليقين، إلا أن هذه الصور لا تنفي الوقوع بخطأ في التشخيص.

بالتأكيد حصل هذا مع الكثير منا.

قطع الشك باليقين، هو ما دفع فريقا من الباحثين في الولايات المتحدة لتطوير منظومة للذكاء الاصطناعي لإجراء تشخيص أكثر دقة، وربما تجنب الأخطاء.

الفريق الذي ركز اهتمامه على العقيدات الرئوية المسرطنة التي تظهر في صور الأشعة المقطعية، أكد أن صور الأشعة للصدر مسألة بالغة الحساسية، فالأطباء المعالجون يرون عددا من العقيدات يتراوح بين الثلث إلى النصف فقط، وهي مشكلة تؤثر كما يؤكد فريق البحث على 1.6 مليون سنويا في الولايات المتحدة فقط.

ورغم أن صور الأشعة المقطعية تظهر كثيرا من صفات العقيدات الرئوية، مثل الحجم والأبعاد، إلا أن الذكاء الاصطناعي يمكنه اكتشاف ملاحظات لا تظهر بالعين المجردة، استنادا لقاعدة بيانات ضخمة، وبالتالي يتنبأ ما إذا كانت هذه العقيدات الرئوية مسرطنة أم لا.

اختراق لا يدرك أهميته إلا المختصون والأطباء الذين أقسموا قسم أبقراط، وهم يعلمون مسبقا أن احتمال تقديم تشخيص صحيح يعادل تقريبا احتمال أن يكون التشخيص خطأ. هؤلاء حتما أول من سيحتفي بنجاح الذكاء الاصطناعي، ليصبحوا بحل من قسم أبقراط المعلق بأعناقهم منذ 2500 عام.

العرب اللندنية

الحياة العربية

يومية جزائرية مستقلة تنشط في الساحة الاعلامية منذ سنة 1993.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى