Site icon الحياة العربية

الدكتور محمد بوعزارة يؤكد: “للإعلام دور مهم في الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز مقوماتها”

نحن في حاجة إلى “الوطنية الواعية” تمارسها نخبة المجتمع

*  الربيع العربي أثر سلبا على مستقبل العالم العربي والاسلامي 

أكد الدكتور محمد بوعزارة أن الإعلام والاتصال يشكل بمختلف وسائطه في مختلف العصور والمراحل دورا مهما في الحفاظ على الوحدة الوطنية وتحصينها  وتعزيز مقوماتها وتفويت الفرصة على كل من يحاول النيل منها في بعدها الشامل الترابي والإنساني الذي رسمت معالمه تضحيات المقاومين والشهداء على امتداد تاريخ هذا الوطن.

أوضح الدكتور محمد بوعزارة خلال محاضرة قدمها أمس، بالمكتبة الوطنية بالحامة حول “دور الإعلام و الخطاب السياسي في تحصين الهوية و تعزيز الوحدة الوطنية” والتي تندرج  في إطار ندوة للمنظمة الوطنية للمحافظة على الذاكرة التاريخية وتعزيز الوحدة الوطنية التي ترأسها الأستاذ عبد الكريم خضري  ونشطها الأستاذ سيحمدي بركاتي وحضرتها عدة شخصيات إلى جانب العديد من تنظيمات المجتمع المدني، بأن أهمية وقيمة وسائل الإعلام تزداد في الوقت الراهن خصوصا بعد التطورات التي شهدها العالم بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت توصف بأنها “إعلام من لا إعلام  له ” نظرا لأسباب عدة أبرزها السرعة في عملية التدفق والبث أو النشر للخبر أو للمعلومة، ومن ثمة الانتشار الواسع للمعلومة يضيف الدكتور التي يمكن أن تُلهم الناس في حالة الإيجاب وتحفزهم أو تجعلهم يقتنعون ويواجهون في المقابل أي خطر يتهدد بلادهم، بل إن المعلومة يقول الدكتور يمكن أن تشكل في حالة السلب عنصرا عكسيا مما يحتم على مختلف الوسائل وبالخصوص ما يوصف بالقنوات الثقيلة عمومية كانت أو خاصة أن تعمل على استحداث برامج نوعية عالية الجودة من حيث المضمون والشكل، وتكون هذه البرامج موجهة لمختلف الفئات والشرائح، وأن تبتعد عن التهريج والشعارات الجوفاء وأن تكون الرسائل المرسلة بسيطة ولكنها عميقة في مضامينها، وأن تسند عملية القيام بها للمتخصصين في مختلف العلوم والمعارف وخاصة  في علم الاتصال والتاريخ خصوصا الذين يحسنون استخدام المعلومة ويتفننون في طريقة إرسالها وإيصالها بكيفية مقنعة وبشكل جذاب بالأسلوب غير المباشر لإحداث أثر إيجابي في نفوس المتلقين .

إن استحداث برامج دينية ذات مستوى عال، يقول الدكتور بوعزارة، وبرامج ثقافية وتاريخية تعمق مفهوم الناس في فهم وإدراك تاريخ بلدهم وثقافته وبمساهماته في صنع الحضارة الإنسانية ودورها الريادي في صنع التاريخ العالمي ككل من شأنه أن يجعل الهوية لا تتعرض للخدش أو الذوبان، بل ويجعل الوطنية بمنأى عن التشوهات والتي قد تصيبها من الباعثين على استحداث الفرقة وبث الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ، بل إن كل ذلك يجعل الناس يعتزون بوطنهم و بتاريخهم و هو ما يُقوي لحمة الوطنية بينهم.

أما فيما يخص الجانب السياسي، أكد الدكتور أن السياسة عنصر أساسي في تهذيب الحياة العامة للشعوب وقيادة الأمم ورشادة  التسيير، وإذا كانت الأحزاب السياسية  قد وُجدت حسبه لممارسة السياسة وفق القواعد القانونية لدستور كل دولة وسعيا لتكريس قيم الديمقراطية القائمة على المنافسة الشريفة، فإن من أهداف الأحزاب السعي إلى الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات .

ومن هذا المنظور يستطرد المتحدث، أن الأحزاب التي هي مؤسسات قائمة بذاتها وتسعى للوصول إلى السلطة محكوم عليها وضعُ برامجَ شاملة يسهر على إعدادها نخبة من القيادات الحزبية المتشبعة بالفكر والنضال والوطنية وتمتلك الرؤية الفكرية والبرامج والخطاب المقنع الذي يقوم به رجالات ونساء قادرون على فن الخطابة وعلى الحوار وعلى الإقناع.

وفي المقابل- يضيف المتحدث- “أن الخطاب الأجوف الفارغ سيتحول إلى خطاب باعث على النفور وانعدام الثقة، بل قد يصبح عنصرا يبعث على استحداث بؤر توتر داخل الحي وداخل القرية والمدينة، وربما في الوطن بأسره، ويساهم في تأزيم الوطنية كما نلاحظه في خطابات بعض الرديئين الذين لا يعرفون فنيات السياسة، ولدى بعض  المرتزقة والموتورين الذين ينفذون برامج وأجندات أجنبية حاقدة على هذا الوطن تسعى إلى الفرقة والتشتيت. لذلك دعا إلى ضرورة بروز نخبة تضم مختلف الفئات المجتمعية لمواجهة التهديدات التي تحاول المس بأمن ترابنا وبوحدة وطننا وتماسك شعبنا، باعتبارها الجدار السميك الذي واجه به شعبنا مختلف الحملات والاعتداءات الاستعمارية المسعورة، وتصدى لها عبر العصور منذ جسد الإسلام وحدة هذه الأمة عربها وأمازيغيها قبل أربعة عشر قرنا”. مبررا حديثه بالمقاومات الشعبية وثورة أول نوفمبر العظيمة وفي مواقف رجالاتها ونسائها وخطابهم المقنع الجامع والموحد الأثر الطيب الذي يقتدى به والذي جعل انتماء الشعب للإسلام وللجزائر يَقوى على الجهة والعرش وعلى الدشرة  وعلى القرية والمدينة، بل وجعل الشعب الجزائري في غالبيته الساحقة يلتف حول تلك الصفوة من الرجال الصادقين المتشبعين بالوطنية وبمجموعة الأفكار التي حملوها معهم في بيان أول نوفمبر الذي بات يشكل اليوم مرجعية فكرية وسياسية لكل من يؤمن بوحدة الشعب والانتماء للوطن ، وهي العناصر التي مكنت شعبنا من أن يفتك حريته و يستعيد استقلاله و أمجاده .

..الربيع العربي أثر سلبا على مستقبل العالم العربي والإسلامي 

في سياق آخر، تحدث بوعزارة عن الثورات العربية التي قادها مجموعة من الشباب للإطاحة بأنظمة  تلك الدول التي كان بعض حكامها للأسف يسعون إلى تكريس ما وُصف بـ”الجملكيات” مما أدى إلى تقبل بعض الأفكار الهدامة التي كانت تحمل شعاراتُها البراقة تلك الثورات المضادة التي أطاحت بأنظمة تلك الدول وتسببت في حالات تدميرية لتلك الدول حيث ما تزال آثارها وارتداداتها متلاحقة إلى اليوم، مشيرا في حديثه إلى المحاضرة التي سبق وقدمها في جامعة الأغواط والتي تحدث فيها عن المخاطر الكامنة وراء هذه الثورة المزعومة على مستقبل العالم العربي وعلى العالم الإسلامي ككل والتي حذر فيها من مخاطر تلك الثورة التي جاءت في سياقِ استراتيجيةِ “الفوضى الخلاقَّة” التي “بشَّرت” بها خصوصا كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ضمن خطةٍ كانت من صنع المخابر الغربية ومكاتب الدراسات الأمريكية والصهيونية  والغربية عموما في ظل غرس ثقافة الخوف مما اصطلح عليه بالإسلام السياسي .

مسألة الانبهار هذه والتي تحمل الكثير من المخاطر على الشباب وعلى البلد ككل والتي يمكن أن تُضعف الهوية وتعمل على ضرب الوحدة الوطنية والمسِ بالأمن القومي لبلدنا ولبلدان أخرى كما حدث في بلدان الربيع العربي يقول الدكتور لا يمكن مواجهتها إلا بالعمل الفكري والإعلامي والسياسي و الديني و الثقافي لتحصين الهوية وتعزيز قيم الوطنية، لأن الانبهار بالآخر قد يصبح مدمرا للدول وفتِّتًا لوحدة الشعوب .. مؤكدا بأنه إذا كانت الهوية الجزائرية الضاربة في عمق التاريخ هي ما تميزنا عن الآخرين في هذا الوطن فإن بين من عناصر هذه الهوية  كذلك اللغة والدين والتاريخ  والثقافة والعادات والتقاليد، وهي جميعها تجعلنا نتقاسم الحاضر ونتطلع للمستقبل، وهذه العناصر المشكِّلة للهوية هي عاملٌ  قوي وفعال لتعزيز قيم الوطنية.

وفي الأخير، أكد أن تعزيز قيم الوطنية هي مسؤولية تتقاسمها عدة أطراف تشترك في هدفٍ واحد وهو خدمة مصلحة الوطن حمايته والدفاع عنه في أوقات السلم وأثناء الحرب، مشيرا إلى أن المسَّ بعناصر الهوية من شأنه أن يتسبب في إضعاف الروح الوطنية أو النيل منها.

وقال في هذا الصدد “إذا كانت هناك وطنية بمفهومها الشامل تبرز أوقات السلم تناط بجميع أفراد الأمة في تماسكهم ووحدتهم والاشتراك في المصالح التي تقوم بينهم وبين مختلف مؤسسات الدولة، فإن هناك وطنيةً من نوع آخر، وهي الوطنية الثورية التي مارسها الجزائريون في تصديهم للمحتل خلال مختلف المقاومات الشعبية التي عمَّت الوطن من أقصاه إلى أقصاه منذ وطئ المحتل هذه الأرض وانتهاء بثورة أول نوفمبر التي جسدت قمة الوطنية الثورية ومكنتنا من إنهاء الوجود الاستعماري على أرضنا. ومقابل هذا فنحن الآن في حاجة إلى وطنية من نوع آخر وهي ما أصطلح عليه بالوطنية الواعية التي تمارسها نخبة المجتمع من مثقفين وعلماء وأئمة و دعاة و رجل فكر و فن وسياسيين ذوي أفكار عالية .

نسرين أحمد زواوي

Exit mobile version