د. عزة رضوان صدقي
الديمقراطية كلمة مستمدة من كلمتين إغريقيتين: ديموس وتعني الناس أو الشعب، و«قراطوس» وتعني القوة: مجتمعين، فإن الكلمتين توكلان القوة إلي الشعب. إذن الديمقراطية تعني الحكم في يد الشعب، ولكن تطبيق هذه المنظومة لبالغ الصعوبة لأنه في هذه الحالة يجب أن يكون الشعب بأكمله متساويا في المكانة والتعليم والوعي وتعني أيضا أن يعمل بآراء أفراد المجتمع أجمعين. إذا ما وُجد شعب متعلم منضبط ذو فروقات محدودة ومدرك لدوره الاجتماعي ولا يسمح لأحد أن يدفعه إلي اختيار شخص لا يري فيه سمات العدل والمساواة أو لا يعمل لمصلحة الجميع وليس مجموعة بذاتها هنا تكمن الديمقراطية. وبما أن ذلك صعب المنال، فإن الديمقراطية تصبح بعيدة عن الحقيقة التي يعيشها العالم حتي في الشعوب التي توهمنا بأنها تتبع الديمقراطية. العالم الغربي يوبخ ويستهزئ بمن لم يصل إلي مستوي الديمقراطية التي يتباهي بها. والحقيقة هي أن ديمقراطيته تهزمها الرأسمالية وتخضعها القوي الضاغطة.
إن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وانتخابات الأحزاب وحتي انتخابات المحافظين في الغرب ونخص الولايات المتحدة الأمريكية، يسيطر عليها نفوذ ذوي المال والعزوة ونفوذ الجماعات الضاغطة الذين يشكلون القرارات ويقلبون الموازين الانتخابية ثم ينتظرون المقابل. إن البنوك وشركات النفط والسلاح والأدوية والدخان وحتي شركات الأغذية كلها تسهم في تمويل منتخب ما ليس اقتناعا بما سيفعله للوطن بل اقتناع بما سوف يمنحه لهم هذا وإلا لماذا يهدرون هذه الأموال؟ إن أسلوب الضغط علي الحكومات عن طريق الجماعات الضاغطة (اللوبي) يعتبر قانونيا ومعترفا به في الغرب. إن عملها ينطوي علي تعديل أو تغيير المسار لصالح صناعة بعينها وعادة من يعمل في لوبي ما كان يشغل وظيفة حكومية سابقة في نفس المجال الذي يحاول الضغط فيه اليوم لذلك يكون قادرا علي محاكاة ذوي المناصب وإقناعهم بتطلعاته.
لا يوجد سقف محدد لما يصرف علي مرشح من قبل المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية لذا نري أن البلايين تصرف علي إقناع المنتخبين بمرشح بعينه. فقد صرف علي انتخابات الرئاسة والكونجرس في الولايات المتحده سنة 2012 ستة بلايين دولار وصرف نفس المبلغ في 2016 أيضا.
أثبتت نتائج بحوث مركز جلوبال ريسيرش الكندي أن أكثر الجماعات الضاغطة في الولايات المتحدة هو اللوبي الإسرائيلي. ليس بإمكان أي سياسي أن ينتخب في أي منصب مهم أو حتي دخول البيت الأبيض دون التعاون مع اللوبي الإسرائيلي وحضور اجتماعات اللوبي السنوية، والشهادة بالعلاقة الإسرائيلية الأمريكية. كذلك فإن كل عضو في الكونجرس مطالب بالتصويت دفاعا عن إسرائيل في كل قضية وإلا واجه العواقب لأن نفوذ هذا اللوبي ممتد في جميع أروقة الدولة.
خلال الانتخابات الرئاسية التي اجتازها جورج بوش الابن في سنة 2000 تمتع الحزب الجمهوري برخاء ملموس لأن المؤسسات الكبري أدركت آنذاك قيمة اختيارها له خصوصا بوجود ديك تشيني بجانبه الذي كان حتي ترشحه لمنصب نائب الرئيس الأمريكي رئيسا لشركة هاليبرتون البترولية. تبرعت آنذاك شركات الدخان بـ 7 ملايين دولار لحملته وشركة فيليب موريس للدخان تبرعت بـ 8و2 مليون دولار بمفردها. وبالطبع سدد بوش الفاتورة عندما خفّض ضرائب الشركات الكبري وعندما أسقط قضية ضد شركات الدخان كانت قد تكلفهم 100 بليون دولار.
شركات الأدوية أيضا لها تأثير مماثل. هيلاري كلينتون مرشحة الرئاسة الأمريكية 2016 أخذت ثلاثمائة مليون دولار تبرعات من شركات الأدوية علي أمل أن تدفع ثمن هذا التأييد إذا ما انتخبت كرئيسة للولايات المتحده. كذلك في الولايات المتحدة في سنة 2016 أسهمت شركات السلاح في الحملات الانتخابية لكل أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي الذين لم يصوِّتوا مع قانون الحد من السلاح فيما بعد. أما الإعلام فمن البدهي أن يُستغل لما له من نفوذ في توجيه الرأي العام للتجاوب مع من يرشح من قبل الرعاة والممولين وملاّك الجرائد حيث يسلط الضوء علي مرشح بعينه. والجدير بالذكر أن ملاك وممولي الواشنطن بوست والنيويورك تايمز والإكونومست والهيفنجتن بوست ومنافذ الإعلام الكبري مثل الـ:CNN و CBCو BBC جميعهم تحت سيطرة إسرائيل ولديهم خطة وطيدة لتحقيق أهداف إسرائيل بوجود من يرعاهم في البيت الأبيض أو في الكونجرس أو في أي منفذ سلطة. إذن فالعملية عملية خذ وهات…. وأين الديمقراطية من هذا النمط؟ وما يتبقي في منهاج الديمقراطية قليل بالفعل لأن الديمقراطية موجهة ومبرمجة ومعني ذلك يذهب الناخب الأمريكي إلي صناديق الاقتراع وهو مقتنع تماما بأنه يختار بمحض إرادته وأنه يعيش في بلد ديمقراطي يتمني أن يعيش فيه الآخرون.
الأهرام المصري