ديمقراطية للبيع!

هاني عسل

في مقاله بمجلة التايم الأمريكية، يقول أيان بريمر إنه بعد ما يقرب من ثلاثة عقود علي نهاية الحرب الباردة، لم تعد الديمقراطية الليبرالية من الطراز الأمريكي قادرة علي فرض نفسها.

ففي الصين، هيمن شي جين بينج علي مقاليد الحكم بصورة لم تحدث منذ ماو تسي تونج، وفي روسيا، أمضي بوتين في الحكم وقتا أطول من أي زعيم روسي آخر منذ ستالين، وحتى العديد من الأنظمة الديمقراطية نفسها، والكلام لبريمر، تقوضها الآن الحركات الشعبوية.

كاتب المقال الذي حمل عنوان «ديمقراطية للبيع»، يري أن الديمقراطية ما زالت هي النظام الأقدر علي توفير الأمن والاستقرار بشكل دائم، ويقول إن الدول الديمقراطية في معظمها تتميز بأنها غنية، وقوية، وأقل عرضة لخوض الحروب والصراعات، ولهذا، يقتنع الأمريكيون، والكلام للكاتب، بفكرة أنه إذا صارت دول العالم كلها ديمقراطية، فسوف يعيش الناس علي وجه الأرض في حالة أفضل.

ولكنه رغم ذلك، يتساءل: هل الديمقراطية الأمريكية تناسب الجميع؟!

يجيب الكاتب علي هذا السؤال بنفسه، بسرد نتائج دراسة أجرتها مجموعة «أوراسيا جروب فاونديشن» EGF علي توجهات الرأي العام في ثماني دول هي: مصر والصين والهند والبرازيل ونيجيريا وبولندا وألمانيا واليابان، تجاه الديمقراطية الأمريكية، وتجاه الديمقراطية بشكل عام.

فقد أظهرت النتائج أن أغلبية شعوب هذه الدول تؤيد الديمقراطية كنظام حكم بشكل عام، ولكن الآراء جاءت متباينة تجاه الولايات المتحدة تحديدا، والديمقراطية القادمة منها!

وينقل الكاتب عن مارك هاناه الذي أعلن نتائج التقرير بعض الملاحظات الغريبة، التي كان من بينها مثلا، أن البرازيليين والصينيين والهنود أبدوا إعجابهم بالديمقراطية، وبنموذج الحكم الأمريكي، في حين كان أكثر المتحفظين علي الديمقراطية من ألمانيا واليابان، وهما الدولتان الحليفتان القريبتان جدا من أمريكا!

فالنتائج ذكرت أن الحماس للديمقراطية الأمريكية في هاتين الدولتين ضئيل للغاية، بل إن آراء أكثر من نصف الألمان المستجوبين كانت سلبية تجاه هذه الديمقراطية .. الأمريكية!

وإذا عدنا إلي الفئة الأولي من الدول التي أجريت عليها الدراسة، سنجد أيضا أنه علي الرغم من أن الديمقراطية تحظي بشعبية واحترام، فإن معظم الآراء ذكرت أنهم يفضلون الديمقراطية التي تجتذب الشعوب إليها، لا التي يتم الترويج لها وفرضها من الخارج، كما يحدث حاليا.

هذه الفئة تري أيضا أن أمريكا ارتكبت في هذا الصدد أخطاء رئيسية في الترويج للديمقراطية خارجيا: فهي أولا، لم تهتم بظروف وثقافات الدول الأخرى، وثانيا، افترضت أن الأمن والاستقرار والرخاء ستتحقق للناس فور ذهابهم إلي لجان الاقتراع، وثالثا، لجأت للحل العسكري في بعض الحالات لفرض الديمقراطية، مثل حالتي العراق وأفغانستان.

ومن أبرز ما تضمنته الدراسة أن الولايات المتحدة مقتنعة تماما بأن تشجيع شباب الدول المستهدفة علي الدراسة والحصول علي منح وفرص عمل لديها أو في الدول الديمقراطية الغربية يمكن أن يساعد في الترويج للديمقراطية في بلدانهم الأصلية لاحقا، وهو ما تم تطبيقه بالحرف في موجات “الربيع العربي”.

وأظهرت النتائج بالفعل أن الأسر التي ينتمي إليها هؤلاء الشباب الذين عاشوا في أمريكا وغيرها أكثر من خمس سنوات هم الأكثر قابلية ورغبة لتطبيق القيم الديمقراطية في بلدانهم من فئات المجتمع الأخرى.

ولهذا، خلص المقال إلي نتيجة ساذجة تقول إن تعبئة وتغليف الديمقراطية الأمريكية وتقديمها في العبوة التقليدية، كما حدث في السنوات الماضية، ليس حلا، ولكن الأفضل تأهيل القادرين علي الترويج لهذه الديمقراطية، تجنبا لمشكلة التباعد بين الديمقراطية المستوردة، وبين المسارات التي يجب أن تتبعها كل دولة للوصول إلي تلك الديمقراطية.  إذن، واضح أنهم لا يزالون يعقدون آمالا علي «طلاب المنح»، ومغسولي الأدمغة إياهم.

 

ولكن، ما تناساه كاتب المقال، أن الديمقراطية الغربية كلها علي بعضها «فيها كلام» أصلا، ومحل شكوك كثيرة،، وكون أن الاستبداد نقيضها لا يمنحها صفة النظام الأفضل تلقائيا، بدليل أن الديمقراطية جاءت للغرب برؤساء من نوعية هتلر وهايدر وبلير وبوش الابن وأوباما وترامب وأردوغان.

وأيضا بدليل أن كل تطبيقات الديمقراطية في منطقتنا العربية لم تتمخض عنها سوي كوارث، من جبهة إنقاذ في الجزائر، وحماس في غزة، ونهضة في تونس، وإخوان في مصر، ناهيك عن فسيفساء الطائفية في العراق ولبنان، فقد أطاحت ديمقراطية «الربيع» المزعومة بديكتاتوريات قصور وأنظمة، لتأتي مكانها بديكتاتوريات شوارع وميادين وفوضي وثوار ونشطاء ومغيبين لدرجة «العمالة»، بل وتنظيمات إرهابية صريحة، وكلما «انفضحت» في مكان، تظهر في مكان آخر، وكأنها «سرطان»، بدليل ما يجري هذه الأيام في دولتين شقيقتين، وستكون النتائج وخيمة، ومحفوظة، وكأننا لا نتعلم!

.. هل هي «ديمقراطية للبيع» إذن؟ أم «بضاعة أتلفها الهوى»؟!

الأهرام المصري

Exit mobile version