كتب
“نموذج الصين”.. الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية

لا تزال الصين محور اهتمامات صنّاع القرار والسياسيين والباحثين في الغرب، على خلفية صعودها الاقتصادي والصناعي والعلمي “الصاروخي” خلال السنوات الأخيرة تحديدًا، والذي يهدّد بشكل أو بآخر الهيمنة الغربية -الأميركية-على العالم. وبعد تصدّر مبادرة “الحزام والطريق” الصينية اهتمامات مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الغربية، جاء دور النظام السياسي الصيني “الفريد” لوضعه على طاولة التشريح والتحليل، كما في الكتاب قيد المراجعة.
يقول المؤلّف في مقدّمة كتابه إن الجدارة السياسية ربما تُعتبر من أكثر الموضوعات دراسة وأقلّها في مجال النظرية السياسية. إن فكرة أنه من الضروري على النظام السياسي أن يهدف إلى اختيار وترقية القادة الذين يمتلكون مستوى عالياً من القدرات والفضائل هي فكرة رئيسة في النظرية السياسية والممارسة العملية في كلٍ من الصين والغرب. يبدو السبب واضحاً: نحن نصرّ على وضع أشخاص مدرّبين وعلى درجة عالية من الكفاءة في المواقع القيادية، سواء تعلّق الأمر بالعلوم أو القانون أو الشركات، فلماذا لا يكون الأمر كذلك في المؤسسة الأكثر أهمية من جميع المؤسسات الأخرى؟
ويضيف: لقد شهد العالم حديثاً تطوّرين دفعا في اتجاه إعادة إثارة الجدل حول الجدارة السياسية على الخريطة العالمية. فهناك أوّلاً أزمة الحكم في الديموقراطيات الغربية، والتي أدّت إلى إضعاف الإيمان الأعمى بالديمقراطية الانتخابية، وفتحت مجالاً للبدائل السياسية. والمشكلة الأعمق تتمثّل في أن الديمقراطية الموجودة حالياً في العالم الغربي لم تعد تمثّل نموذجاً إيجابياً لدولٍ أخرى.
وعلى الدرجة نفسها من الأهمية، فإن نظرية الجدارة السياسية قد أُنعِشت نتيجة صعود الصين. فمنذ بداية تسعينيات القرن العشرين طوّر النظام السياسي الصيني نظاماً معقّداً وشاملاً في مجال اختيار وترقية ذوي المواهب السياسية، الأمر الذي أدّى إلى النجاح الاقتصادي المدهش الذي شهدته البلاد.
وهذا الكتاب يرسم، بطريقة غير مباشرة، الملامح الرئيسة لنظام سياسي يقع في منتصف المسافة على مقياس النظم السياسية التقليدية المعروفة حتى الآن. وفي الوقت عينه، يسعى الكاتب إلى انتزاع النظام السياسي الصيني من قائمة النظم الديكتاتورية؛ بل هو يذهب إلى حد إخراجه من دائرة النظم الشيوعية.
وفي السياق، يشرح دانييل بيل خطة كتابه بقوله إنّ فكرة أن يُختار قادة سياسيون وفقاً لقاعدة “شخص واحد، صوت واحد” أُخِذ بها باعتبارها شيئاً مسلّماً به في كثير من المجتمعات؛ ومن ثمّ فإن أي مسعى للدفاع عن الجدارة السياسية باعتبارها بديلاً يلزم أن يبدأ بنقدٍ للديمقراطية الانتخابية: أغلب القرّاء من المجتمعات الغربية ليس لديهم حتى استعداد للتفكير في إمكانية وجود بدائل لها مسوّغات أخلاقية لقاعدة “شخص واحد، صوت واحد” كوسيلة لاختيار القادة السياسيين؛ ومن ثمّ فإنه من الضروري أن يثير كتاب يدافع عن بديل من هذه البدائل بعض الأسئلة حول الانتخابات الديمقراطية.
وهنا لا بدّ من التوقف عند دوافع الأكاديمي الكندي -الذي لديه خبرة عقد من الزمن نتيجة العيش والتدريس في بكين- للبحث في نظام الجدارة السياسية، والتي تتمحور حول اهتمامه بالتقاليد الكونفوشية، مثلما أن كلّ كتاباته السابقة عن الجدارة السياسية كان الدافع وراءها هو اهتمامه بالفلسفة (الديانة) الكونفوشية أكثر منه بالسياسات الفعلية للصين. بالإضافة إلى تعريف القارئ الغربي على طبيعة النظام السياسي الصيني، مع الحث على إجراء إصلاحات فيه تستند إلى نظام الجدارة في الدول الديمقراطية.
هل الديمقراطية أقلّ النظم السياسية سوءاً؟
في الفصل الأوّل (هل الديمقراطية أقلّ النظم السياسية سوءاً)، يناقش المؤلّف أربعة عيوب جوهرية في الديمقراطية بمفهومها الذي يقتصر على الانتخابات الحرّة والنزيهة لقادة البلاد على مستوى القمّة؛ ويعقب طرح كلّ عيب من هذه العيوب مناقشة نظرية وعملية لبدائله القائمة على الجدارة.
يتمثّل العيب الأوّل في “طغيان الأغلبية”: الأغلبيات غير المنطقية، والتي تهتم بمصالحها فقط، يمكنها من خلال العملية الديمقراطية قمع الأقليّات ووضع وتنفيذ سياسات رديئة. وفي هذا الخصوص، فإن الاختبارات التي تقيس كفاءة الناخب يمكنها، من الناحية النظرية، أن تساعد في علاج هذا العيب؛ كما أن نظام الجدارة السياسية المطبّق في سنغافورة يوفّر بديلاً عملياً.
أما العيب الثاني فيتمثل في “طغيان الأقليّة”: المجموعات الصغيرة ذات القوّة الاقتصادية تمارس نفوذاً لا يتناسب مع صغر حجمها على العملية السياسية؛ إما من خلال منع التغيير الذي قد يكون في خدمة المصالح العامة، وإما عن طريق العمل على تمرير سياسات تعود بالنفع عليها فقط. ومن الناحية النظرية يمكن التغلب على هذا العيب من خلال وسائل استبعاد النخب الغنيّة من هيئة الناخبين؛ ويقدّم النظام السياسي في الصين بديلاً عملياً في هذا الخصوص.
ويتمثّل العيب الثالث في “طغيان الجماعة الانتخابية”: إذا كان هناك صراع حاد في المصالح بين احتياجات الناخبين وتلك الخاصة بغير الناخبين الذين يتأثرون بسياسات الحكومة، مثل الأجيال القادمة والأجانب، فإن المصوّتين ستكون لهم دائماً الأولوية. ويتمثّل أحد الحلول النظرية لذلك في تشكيل مكتب حكومي توكَل إليه مسؤولية تمثيل مصالح الأجيال المقبلة، وتأسيس سنغافورة حق النقض لدى الرئيس لمساعي السياسيين لوضع سياسات تضر بمصالح الأجيال المقبلة يمثّل أحد البدائل العملية.
وفيما يخص العيب الرابع، فهو “طغيان الأشخاص المتنافسين”: الديمقراطية الانتخابية يمكن أن تثير الصراعات الاجتماعية بدلاً من تخفيفها؛ كما أنها قد تكون على حساب أولئك الذين يفضّلون اتباع وسائل متناغمة لتسوية الصراع الاجتماعي. وقد يكون في النظام المستند إلى فكرة التوافق في عملية صنع القرار علاج لهذا العيب. ويتضمّن النموذج السياسي الصيني بعض المزايا العملية فيما يتصل بتخفيض الصراع الاجتماعي.
وباختصار، يمكن أن تكون هناك بدائل مرغوب فيها أخلاقياً وقابلة للتنفيذ سياسياً عوضاً عن الديمقراطية الانتخابية.
اختيار القادة الأكفّاء في نظام الجدارة السياسية يفترض المؤلّف أن النظام السياسي الصيني القائم على الحزب الواحد ليس في طريقه إلى الزوال، مع تقديمه عدة مقترحات لتحسين أدائه فحسب، والتي أوردها ضمن الفصل الثاني(عن اختيار القادة الأكفّاء في نظام الجدارة السياسية) منطلقاً من الافتراضات الآتية:
(1) من الجيّد للجماعة السياسية أن يتولّى حكمها قادة على مستوىً عالٍ.
(2) النظام السياسي القائم على حزب واحد(حاكم) في الصين ليس في طريقه إلى الانهيار.
(3) الجانب المتصل بالجدارة لهذا النظام جيّد جزئياً؛ (4) ويمكن تحسينه.
وكمثال عملي مقارن، يقول المؤلّف إنه في الوقت الذي وصل فيه باراك أوباما إلى سدَّة الرئاسة الأميركية، مطلع العام 2009، بعد حملة انتخابية كلّفت مئات ملايين الدولارات، وصل شي جين بينغ إلى قمّة السلطة في الصين، منتقلًا من القيادة المحلية، إلى مستوى المدينة، فالمقاطعة، ومستويات إدارية، ثم وزير على مستوى الإقليم، فعضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قبل أن يصل شي إلى مكتبها السياسي. وهو خضع، في كلّ مرحلة، إلى عملية تقييم جادة، قامت على المنافسة، بغرض قياس إمكاناته القيادية السياسية.
في الغرب الإمبريالي يسمّون انتخاب أوباما “ديمقراطية”. أما النظام الصيني فيسمّونه “النظام القائم على الجدارة”؛ الطريق المشروعة، أخلاقيًا. وقد رجَّح المؤلّف أن يكون نظام الجدارة أفضل من الانتخابات الديمقراطية، وإن كان النظام الصيني منقوصًا، من الناحية العملية. فكلا نظامي الجدارة السياسية والديمقراطية الانتخابية يمثّلان نظامين سياسيين متعارضين، جوهريًا، ما جعل “بيل” يتساءل، محقًا، عمّا إذا كان من الممكن التوفيق بين أفضل ما في كلا النظامين؟! وكيف؟
تمثّلت النتيجة التي وصل إليها الكاتب في هذا البحث، وبعد تقديمه مقترحات لآليات تزيد من احتمالات اختيار القادة السياسيين المناسبين، في أن الصين تستطيع، بل يجب عليها، تحسين نظامها القائم على الجدارة: إنها تحتاج إلى اختبارات تقيس بشكل أكثر فعالية القدرات الفكرية المتصلة بالسياسة، ومزيد من النساء في المواقع القيادية، من أجل زيادة احتمالية توافر القادة الذين يمتلكون القدرات الاجتماعية المطلوبة من أجل صناعة قرارات تتّسم بالفعالية، ومزيد من الاستخدام المنهجي لنظام مراجعة الأقران بهدف ترقية المسؤولين السياسيين الذين لديهم الدافع والرغبة في خدمة العامّة.
…ما مشكلة نظام الجدارة السياسية؟
لكن أي دفاع عن نظام الجدارة السياسية يحتاج إلى تناول مسألة كيفية تعظيم مزايا هذا النظام، وكذلك طرق تقليل مساوئه؛ وهذه المسألة كانت محور الفصل الثالث (ما مشكلة نظام الجدارة السياسية)، والذي ناقش ثلاث مشاكل رئيسية ترتبط بأي محاولة لتطبيق نظام الجدارة السياسية:
(1) القادة الذين يُختارون على أساس قدراتهم المتفوّقة يميلون على الأرجح إلى إساءة استخدام سلطاتهم.(2) الهرميّة السياسية ربما تصبح جامدة وتضر بالحراك الاجتماعي.(3) من الصعب إضفاء الصفة الشرعية على النظام في نظر من هم خارج بُنية القوّة.
وبالنظر إلى أن الديمقراطية الانتخابية في القمّة ليست خياراً واقعياً في الصين، فهل من الممكن التعامل مع هذه المشاكل من دون اللجوء إلى الانتخابات الديمقراطية، يتساءل المؤلّف.
فمشكلة الفساد على سبيل المثال يمكن معالجتها من خلال آليات، من قبيل إيجاد مؤسسات إشرافية مستقلة، وزيادة الرواتب، وتعليم أخلاقي معدّل. وفيما يخص مسألة تحجّر الهرميات، فإنه يمكن التعامل معها من خلال الخطاب السياسي المتواضع، وفتح باب الحزب الحاكم أمام مختلف المجموعات الاجتماعية، والسماح بإمكانية وجود أنواع مختلفة من القادة السياسيين يُختارون وفقاً لأفكار جديدة حول الجدارة السياسية.
أما مشكلة الشرعية، فإنه لا يمكن التعامل معها إلاّ من خلال توفير فرص أكثر للمشاركة السياسية، بما في ذلك شكل ما من أشكال الموافقة الصريحة من قِبل المواطنين.
ومن ثمّ يأتي السؤال: كيف يمكن التوفيق بين الجدارة السياسية والديمقراطية؟ وهل يمكن التوصل إلى ذلك من خلال اتباع طُرق مرغوب فيها أكثر من الناحية الأخلاقية من دون أن يعني الأمر بالضرورة التنافس بين أحزاب متعددة والانتخابات العادلة والحرّة للقادة في القمّة؟
..ثلاثة نماذج للجدارة الديمقراطية
في الفصل الرابع (ثلاثة نماذج للجدارة الديمقراطية)، يناقش المؤلّف كلاً من الحجج المؤيّدة والمعارضة للنماذج المختلفة “للديمقراطية القائمة على الجدارة”: وعلى وجه التحديد النماذج التي تهدف إلى التوفيق بين آلية الجدارة الهادفة إلى اختيار القادة السياسيين الكبار، وآلية الديمقراطية المخصّصة للسماح للشعب باختيار قادته.
يقوم النموذج الأول على التركيب بين نظامي الديمقراطية والجدارة على مستوى الناخبين (منح أصوات إضافية للناخبين المتعلّمين على سبيل المثال). غير أن هذه المقترحات، أياً كانت مزاياها الفلسفية، ليست واقعية من المنظور السياسي.
أما النموذج الثاني (الأفقي)، والذي يهدف إلى التوفيق بين نظامي الديمقراطية والجدارة على مستوى المؤسسات السياسية المركزية، فمن المستحيل غالباً تنفيذه والإبقاء عليه حتى مع وجود ثقافة سياسية (كما هو الحال في الصين) تقدّر بقوّة الجدارة السياسية.
وأخيراً، هناك النموذج الثالث (الرأسي) الذي يهدف إلى الجمع بين نظام الجدارة السياسية على مستوى الحكومة المركزية، والديمقراطية على المستوى المحلي؛ وهذا النموذج ليس ببعيد عن الواقع السياسي في الصين، كما يمكن كذلك الدفاع عنه من منطلقات فلسفية.
..هل يمكن تحقيق “نموذج الصين”؟
وتحت عنوان(أفكار ختامية: تحقيق “نموذج الصين”)، يستنتج الكاتب بأن الجدارة السياسية ستعمل كشكل من أشكال “القوّة الناعمة” فقط إذا ما أرست الصين نموذجاً جيداً للآخرين. بمعنى أن عليها أن تمارس الجدارة السياسية في الداخل. ومع نجاح الصين في سد الفجوة بين الواقع والنموذج المثالي لنظام الجدارة السياسية، ستصبح الطبيعة الحقيقية للنظام واضحة لمن هم في الخارج.
وفي المقابل، عندما تتصدّر معاملة الصين القاسية للمنتقدين ومجموعات الأقليّات في الداخل العناوين الرئيسة في الإعلام الغربي، سيكون من الصعب على المدافعين عن الجدارة السياسية مواجهة الانتقادات الخارجية القائلة إن الإكراه يكمن في جوهر نظامها السياسي.
وأخيراً وليس آخراً، يرى الكاتب أن الحزب الشيوعي الصيني يحتاج أيضاً إلى أن يغيّر من اسمه حتى ينسجم، بشكل أفضل، مع الحقيقة المؤسسيّة للمنظمة، ومع ما يتطلّع إلى أن يكونه. فالواقع أن الحزب الشيوعي الصيني ليس شيوعياً، كما أنه ليس حزباً؛ بل هو على الأرجح منظمة جماعية تتألّف من أعضاء اختيروا استناداً إلى معيار الجدارة من مجموعات وطبقات مختلفة، وتسعى إلى تمثيل البلد بأكمله.
وفي هذا السياق، ربما يكون الاسم الأكثر دقّة للحزب الشيوعي الصيني هو “اتحاد الجدارة الصيني” Chinese Meritocratic Union، بحسب تعبير الكاتب الكندي.

