نهي الأبرار عن التستر والاحتكار

 اتقوا الله ربَّكم في أعمالكم وأموالكم، واتَّقوه في بيعكم وشرائكم، واتقوه فيما تأكلون وما تطعمون، وما تُنفِقون وما تَدَّخِرون، واتقوه في جميع عقودكم ومعاملاتكم، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 168].
واعلموا -رحمكم الله- أنَّ تقواكم لِربِّكم سبحانه لا تَتِمُّ إلَّا باتِّباع شَرعه ودينه القويم في العبادات فيما بينكم وبينه، وفي المعاملات فيما بينكم وبين خلقه، وذلك بأنْ تُوقِعوها على الوجوه الشرعية، والطُّرُق الصحيحة المَرْضِيَّة، امتثالًا لقول ربِّكم عَزَّ شأنُه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29]، ومِن تقواه سبحانه الحذر من الفتنة بالمال والتكالُب على جمعه بشتَّى الوسائل دون مبالاة؛ مصداقًا لما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: ((ليأتين على الناس زمانٌ لا يُبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام))؛ رواه البخاري.
أيها المسلمون، إنَّ طلب الحلال وتحرِّيه أمرٌ واجبٌ وحَتْمٌ لازم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))؛ رواه مسلم.
وقد أوجب الشرع الحنيف الصِّدق والبيان في المعاملات مِن بيع وشراء وإجارة وصِيانة وعقود وأعمال، ونهى عن الغِش والكِتْمان والتغرير والتدليس، ومن ذلك التلاعب بالمنتجات والسلع؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟))، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي))؛ رواه مسلم، فمَن كَتم عيبًا في سِلْعةٍ وبضاعة وعَرَض، أو خَدَع في حِرفته وصناعته، أو كذب ودلَّس في ثمنٍ أو وَصْفٍ أو شروطِ عقد وصفقة، فهو غاشٌّ مرتكب لكبيرة مِن كبائر الذُّنوب، وتبرَّأ مِنه سيِّد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ولقد صحَّ عن نبيِّكم صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))، فالصِّدق والبيان واجبٌ في البيع والشراء، ومُوجب للبركة والخير والنَّماء، والكذب والكِتْمان مُحرَّمٌ، وماحِقٌ للبركة، نسأل الله العافية والسلامة.
إن دين الإسلام هو دين السَّمَاحَة واليُسْر في جميع تفاصيله وتعامُلاته، حَضَّ على حُسْن المعاملة في البيع والشراء والاقتضاء؛ فعن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رحِمَ اللهُ رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))؛ رواه البخاري.
ولقد عانى الكثير غلاء الأسعار، وأثره البالغ على المعيشة، وزيادة الحاجة والعوز، والوقوع في المعاصي والمخالفات من أجل الحصول على لقمة العيش، ولا شَكَّ أن الغلاء له أسباب متعددة، لعل منها: تلاعب التُّجَّار والمحتكرين بالسلع التي يحتاج إليها الناس؛ فبعضهم يقوم بتخزينها وإخفائها من أجل رفع ثمنها لتحصيل أكبر كسب ممكن، ويتضح ذلك خلال بعض المواسم، وهذا فيه إضرار بعموم الناس، وخاصة الفقراء وأصحاب الحاجات؛ فاحتكار السلع ظلم، وإهدار لتجارة المسلمين وصناعتهم، وتضييق لأبواب العمل والرزق، وهو نوعٌ من الأنانية ومحبَّة الذات؛ ويؤدي إلى تضخُّم الأموال في طائفةٍ قليلةٍ من الناس، كما في قوله تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ [الحشر: 7]، وذَمَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المحتكر، فقال: ((لا يحتكر إلَّا خاطئ))؛ رواه مسلم، والخاطئ هو الآثم، وقال أيضًا: ((مَنِ احتكَر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ))؛ رواه أحمد.
وإن من المعاملات المُحرَّمة التي تتضمَّن الغرر ومخالفة أنظمة العمل والعُمَّال ما يُسمَّى “التستُّر التجاري”، وقد حَرَّمه علماؤنا؛ لأنه مخالفة لولي الأمر، ولضرره والضرر يُزال، واشتماله على الغرر والخديعة والحيلة، واعتباره من العقود التي يُخالِف ظاهرُها باطنَها، ولكونه من أكل أموال الناس بالباطل، فهو جريمة ومخالفة للشرع والنظام، وخيانة للوطن، ومؤثر على الاستقرار الاقتصادي، وسبب لارتفاع الأسعار، وزيادة معدلات البطالة، وهجرة رأس المال إلى خارج البلاد.
ومن هنا فلا بُدَّ من التزام المنشآت التجارية بالأنظمة واللوائح المعتمدة من الجهات الحكومية حفظًا لحقوق ومصالح الناس، وبُعْدًا عن الشُّبُهات، والوقوع تحت طائلة العقوبات في الدنيا والآخرة.
وبعد، عباد الله، فإن مما يحتاج إليه المرء المسلم في شأن المال ويلزمه هو: تعلُّم أحكامه الشرعية احترازًا من الوقوع في الحرام؛ فقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف في السوق ويقول: «لا يَبِعْ في سوقنا إلَّا مَنْ يفقه، وإلا أكَلَ الرِّبا، شاء أمْ أبَى»، فمعرفة الأحكام الشرعية، والأنظمة المرعية مهمة للتاجر ليعمل بها، ويتعرَّف على المحاذير الواضحة فيبتعد عنها، وعن المحاذير المشبوهة فيتوقَّاها.
فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فاتقوا الله عباد الله، وتوكَّلُوا على الله حق توكُّله: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ [العنكبوت: 17]، ولا تستعجلوا الرزق بطلب الحرام، فتقطعوا أواصر الإجابة والصِّلة بالله، واجتنِبوا جَمْع الأموال من المسالك المعوجة والطُّرُق الملتوية والمخالفة للشريعة الإسلامية، وتبصَّروا فيما تقدمون عليه من معاملات، فمن اتقى الله، وقاه الله ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن ترك شيئًا لله، عوَّضه الله خيرًا منه، ومن صدق في بيعه وتجارته نال الجزاء الموعود على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: ((التاجِرُ الصَّدُوقُ الأمين مع النبيِّين والصدِّيقين والشُّهَداء))؛ رواه الترمذي.
Exit mobile version