التحول البنيوي في النظام الدولي وانعكاساته الإقليمية
لطفي العبيدي
شهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولات هيكلية أعادت رسم موازين القوى الإقليمية والدولية، بحيث لم تعد منطقيّة «التحكّم الخالص» فعّالة كما كانت في الماضي. فكل محاولة من القوى الكبرى لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية من خلال الضربات العسكرية، أو الضغوط القصوى كشفت عن تعقيد البيئة الإقليمية وصعوبة إدارتها بمفاتيح خارجية وحدها. هذه التحولات انعكست بوضوح في الشرق الأوسط، حيث ازدادت التدخلات الإقليمية والدولية، ولم يخفف الانقسام العربي، أو القطيعة الطويلة من حدة الاستقطاب، بل أفسح المجال أمام تصعيد المنافسات متعددة الأبعاد.
تعكس الاستراتيجية الإيرانية مزيجا معقّدا يجمع بين العقيدة والبراغماتية والأمن القومي. فالدبلوماسية لا تعتبر التفاوض غاية بحد ذاته، بل أداة ضمن خطة أطول لحماية المصالح الجيوسياسية والجيواقتصادية. في كثير من الأحيان، تبدو طهران وكأنها «تفاوض على شروط التفاوض»، ضابطةً الإيقاع الزمني والسياسي بما يخدم أولوياتها الداخلية والخارجية. السياسة الإيرانية بالمرونة التكتيكية، ضمن سقف ثوابت استراتيجية، بحيث يمكن الانتقال من خطاب تصعيدي، إلى مسار تفاوضي، دون أن يُنظر إلى ذلك على أنه تناقض، بل كجزء من منهجية المداورة التي تحافظ على الوقت والخيارات، مع اعتماد لغة مواربة تميل إلى الغموض المدروس، بدل التصريحات الحاسمة.
على الجانب الأمريكي، لم تُثمر سياسة «الضغط الأقصى» بعد الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة عن النتائج المرجوة. صحيح أن العقوبات أرهقت الاقتصاد الإيراني وضيقّت هامش الحركة المالية، لكنها لم تؤدِّ إلى انتفاضة شاملة، أو تصدع بنيوي يتيح تغيير النظام سريعا، بل ساعدت الضغوط في تعزيز سردية الحصار وتغذية منطق الصمود، وهو منطق استثمرته طهران تاريخيا لتعبئة الداخل. لقد أظهرت هذه التجربة أن المواجهة مع إيران لم تعد عسكرية بالمعنى التقليدي، بل متعددة الأبعاد: إعلامية تُدار بالسرديات، نفسية تُقاس بقدرة التحمل، اقتصادية تُختبر بالعقوبات، وتقنية تُخاض في الفضاء السيبراني. الصراعات الكبرى لم تعد تُحسم بالضربة السريعة، بل بالتراكمات البطيئة التي تعيد تشكيل التوازنات على مدى سنوات. من منظور إسرائيل، يشكل احتمال امتلاك إيران لقدرات نووية عسكرية تهديدا استراتيجيا مباشرا، لذلك تفضّل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، خصوصا تحت قيادة حزب الليكود، تشديد العقوبات، وربما الخيار العسكري.
بالمقابل، ترى واشنطن أن إيران، حتى مع قدرات ردع نووية، لا تمثل تهديدا وجوديا مباشرا، بل تحديا لإدارة التوازنات الإقليمية، وبناءً على ذلك، سعت إيران إلى توسيع هامشها الاقتصادي والسياسي شرقا، بالانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم الصين وروسيا والهند، في خطوة تعكس قدرة طهران على كسر الطوق الغربي، وخلق فضاء حيوي لتخفيف أثر العقوبات. كما تمنح أزمة الطاقة العالمية طهران أوراقا إضافية، إذ تمتلك أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم، مما يعزز نفوذها الاستراتيجي. على صعيد أوسع، لم يعد الشرق الأوسط ساحة أحادية النفوذ. صعود الصين كفاعل اقتصادي وتكنولوجي، وعودة روسيا كلاعب أمني مؤثر، وتزايد استقلالية الاتحاد الأوروبي، أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية للمنطقة. في هذا السياق، تقل قدرة الولايات المتحدة على أداء دور الوسيط المقبول إقليميا، إذ يتراجع نفوذها كلما ترسخت صورة الانحياز إلى إسرائيل. هذا التحول يضع الفاعلين الإقليميين أمام خيار «التحوّط»، لا القطيعة، على نحو تنويع مصادر التسليح، توسيع الشراكات الاقتصادية شرقا، بناء قنوات سياسية موازية مع موسكو وبكين، والانخراط في أطر متعددة الأطراف خارج المظلة الأمريكية. هذه الاستراتيجية لا تعني نهاية النفوذ الأمريكي، لكنها تحوّل طبيعة الهيمنة من نفوذ مطلق إلى نفوذ تنافسي يخضع لاختبارات مستمرة للشرعية والفعالية. لقد سعت الولايات المتحدة، لعقود، إلى بناء نظام أمني إقليمي قائم على ردع الخصوم وضمان تدفق الطاقة وحماية طرق التجارة ومنع الحروب بين الدول. غير أن عسكرة الأزمات وتغليب التحالفات الصلبة على آليات خفض التصعيد، أضعف هذا البناء تدريجيا. وعلى هذا الأساس، فإن إعادة ضبط السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لم تعد ترفا دبلوماسيا، بل ضرورة استراتيجية تمليها تحولات موازين القوى وتآكل الثقة الإقليمية. التركيز على دعم شبه مطلق لإسرائيل وإدارة أزمات متلاحقة دون أفق سياسي واضح، يخلق بيئة تتزايد فيها الشكوك حيال حياد واشنطن وقدرتها على لعب دور الضامن المتوازن. فالمستقبل الاستراتيجي للنفوذ الأمريكي لم يعد يُقاس بالقوة الصلبة وحدها، بل بمدى القدرة على بناء شرعية مستدامة وشراكات مرنة. ومن هنا، يصبح الانتقال من منطق الاصطفاف الجامد إلى هندسة توازنات إقليمية أكثر شمولا شرطا للحفاظ على المكانة الأمريكية، مع الاعتراف بمركزية القضية الفلسطينية كعنصر محوري في تشكيل الرأي العام العربي، وتعزيز التسويات السياسية والتكامل الاقتصادي العابر للاستقطابات.
الشرق الأوسط اليوم، لم يعد ساحة للصراع التقليدي أو النفوذ الأحادي، بل مجالا ديناميكيا تتحرك فيه القوى الكبرى والإقليمية ضمن شبكات معقدة من التحالفات والمصالح المتشابكة. إيران وتركيا ومصر ودول الخليج تتبنى استراتيجيات مرنة للتحوط، بينما الولايات المتحدة مطالبة بإعادة صياغة نفوذها وفق مقاربة تجمع بين القوة والشرعية والشراكات المتعددة، لتبقى فاعلا مؤثرا في منطقة تتغير بسرعة، وتحافظ على دورها الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. إلى جانب التحولات العسكرية والسياسية، لعب البعد الاقتصادي والتكنولوجي دورا متزايد الأهمية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فالصراع على الموارد، خصوصا الطاقة والمياه، والتحولات في أسواق النفط والغاز، أصبحت أدوات استراتيجية بيد الدول الإقليمية الكبرى.
إيران على سبيل المثال، تستثمر احتياطياتها الهائلة من الغاز والنفط لتعزيز نفوذها الدولي، بينما تسعى دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط، عبر الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة المتجددة، بما يعزز استقلاليتها ويمنحها قدرة أكبر على المناورة. كذلك، يشكل التطور التكنولوجي، بما في ذلك الفضاء السيبراني والأسلحة الدقيقة والطائرات المسيرة، عاملا مضاعفا للقوة، إذ باتت القدرة على الابتكار وتطبيق التكنولوجيا الحديثة جزءا من قدرة الدول على حماية مصالحها وموازنة النفوذ الخارجي. هذا البعد الجديد يعكس أن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لم تعد تحدده فقط الترسانة العسكرية أو الحلفاء التقليديون، بل قدرة الفاعلين على توظيف الاقتصاد والتكنولوجيا كأدوات استراتيجية متعددة المستويات.
في ضوء التحولات البنيوية المتسارعة، يظهر أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة نفوذ أحادي، بل فضاء متعدد الأبعاد تتنافس فيه القوى الكبرى والإقليمية ضمن شبكة معقدة من التحالفات والمصالح. الاستراتيجيات المرنة والتحوطية التي تتبناها إيران ودول الخليج وتركيا، إلى جانب الدور الاقتصادي والتكنولوجي المتنامي، تعكس إدراك الفاعلين الإقليميين أن الاعتماد الأحادي أصبح محفوفا بالمخاطر. وفي هذا السياق، يتضح أن الولايات المتحدة، للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي، بحاجة إلى إعادة صياغة سياساتها، بما يتيح بناء شراكات مرنة متعددة الأطراف، مع الاعتراف بالديناميات الداخلية لكل دولة عربية، وأهمية القضية الفلسطينية في استقرار المنطقة. إن القدرة على التحرك ضمن هذه البيئة المعقدة لن تُقاس فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل بالذكاء الاستراتيجي في هندسة التوازنات، وبالقدرة على تأمين مصالح الأطراف المختلفة عبر حلول سياسية واقتصادية متكاملة، بما يحقق استقرارا طويل الأمد، ويصون المكانة الأمريكية والإقليمية على حد سواء.
العربي الجديد
