مقالات

العلاقات السياسية بين العرب واليهود داخل إسرائيل (الجزء الأول)

بقلم المستشار السياسي : حسين موسى

أتسمت العلاقات السياسية بين المجتمع العربي والمجتمع اليهودي داخل إسرائيل بعدم الثبات وتأرجحت ما بين الأبوية والصراع والعداء. ففي الخمسينات والستينات صوت العرب للأحزاب الصهيونية وبعد عام 1967 كان التوجه العربي نحو الأحزاب النامية الداعية للمساواة والسلام في بداية الثمانينات والتسعينات نمت التيارات الإسلامية والقومية داخل المجتمع العربي بفضل التعليم والأفكار الجديدة.

بالرغم من ذلك لم يشكا حزب عربي جزء من حكومة ائتلافية. وفي السنوات الأخيرة، شاب العلاقات السياسية بين المجموعات المزيد من التوتر ومنها أكثر من مشروع يطالب بإلغاء المواطنة خاصة للأعضاء العرب من الكنيست بسبب مشاركتهم في احتجاجات ضد الحكومة. بالتوازي مع صراع الأحزاب وضعف سلطتها، كان هناك تزايد في قوة المنظمات العربية المدنية، الغير حكومية والتي نشطت في عدة مجالات منها الخدمات، الاتصالات والدفاع عن الحقوق، كما زادت حلقة الاتصال بين هذه المنظمات الغير حكومية ومنظمات حقوق الإنسان بهدف تحسين أوضاع العرب في إسرائيل .

وتعد مشكلة عدم المساواة بين العرب واليهود واندماج عرب إسرائيل في المجتمع والمؤسسات الإسرائيلية أبرز المشكلات التي يواجهها عرب إسرائيل وذلك في أطار نظرة إسرائيلية رسمية لهم باعتبارهم طابورا خامسا مشكوكا في ولائهم للدولة العبرية، وإن كانت هذه النظرة قد طرأ عليها بعض التغيير في أعقاب تقدم عملية السلام ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلي بعض نتائج الدراسات التي تؤكد عمق الفجوة بين المواطنين العرب واليهود داخل إسرائيل، حيث تشير دراسة إلي أن 60% من عرب إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، وان حجم ما ينفق علي الطالب العربي خلال 5 سنوات من الدراسة يبلغ 50% مما تنفق علي الطالب اليهودي، كما توضح دراسة أخري أن 52% من العمال العرب يتقاضون 50% من معدلات الأجور السائدة داخل إسرائيل، وان حجم ما ينفق في مجال الصحة علي العرب يبلغ 40% مما ينفق علي اليهود، وان ما تحصل عليه القرى العربية من مخصصات مالية يبلغ 20% ممل تحصل عليه القرى اليهودية،

وفي بحث بعنوان ” قضايا العمل الأهلي وفرص كسر جدار العزلة”،  تناول المدير العام لمؤسسة ” اتجاه” بشرح أوضاع عرب 48 موضحا أنهم ليسوا جزءاً من قوي المجتمع المدني الإسرائيلي،  وإنما هم جزء من نسيج الأمة العربية وأن المشروع الصهيوني قد فشل بعد محاولات مضنية في فصل عرب 48 عن الواقع العربي،  ويري الباحث في هذا الصدد أن إسرائيل تحاول منذ قيامها وبشكل منهجي طمس أثار جريمتها وإعادة إنتاج الشعب الفلسطيني بشكل مبتور بحيث لا تتجمع له المقومات التي يستطيع أن يظهر بها كشعب في المستقبل سواء في مناطق 1948 أو بقية المناطق الفلسطينية . ودعا إلي ضرورة أن يكون الوطن العربي خاضعاً للنشاطات التي تدعم التواصل مع عرب 48 مشيراً إلي البدء في بناء مؤسسات أصلية اتخذت أدوات جديدة في التأثير السياسي من بينها تدويل القضايا وطرحها أمام المنظمات وهيئة الأمم المتحدة ومؤتمراتها،  كما حدث في مؤتمر (ديربان)،  كما طالب الباحث (مخول) باستحداث آليات أخري في العمل العربي الفلسطيني المشترك واستقلال آليات الجامعة العربية ولجانها لتأخذ في الاعتبار فلسطيني 48 .

*  أهم المشكلات التي تواجه عرب إسرائيل

يحلل يئير بوميل (2007) في كتابه ظل أزرق، ابيض سياسة الحكومة تجاه المواطنين العرب في العقود الأولي، ويدعي أن الواقع الحياتي للعرب في إسرائيل اليوم هو إلي حد كبير نتيجة مباشرة لسياسة مثابرة انتهجتها بحقهم جميع الحكومات وكان هدفها التمييز ضدهم وإقصائهم عن كل شرائح المجتمع اليهودي-الإسرائيلي ومنع تبلورهم في جماعة سياسية أو اقتصادية، وتظهر أبحاث أخري جوانب مختلفة ومنوعة للتميز الخطير والمتواصل في رصد الموارد للمواطنين العرب وبذلك يحض الادعاء بأن مسئولية عدم المساواة تكمن في طابع المجتمع العربي.

وهذا ويمكن تصنيف أبرز هذه المشكلات علي النحو التالي :

أولا: علي الصعيد السياسي والاقتصادي.

إن انتهاج إسرائيل لسياسات تهدف إلي تغيير الحريات الأساسية للمجتمع العربي داخل إسرائيل، والتي تسعي بدورها إلي تهديد وجودهم في وطنهم من خلال اقتراحات قوانين تعسفية وممارسات عنصرية، يدفع بضرورة إيجاد حل قائم علي أسس العدل التاريخي وعلي تطبيق قرارات الشرعية الدولية واحترام حقوق الشعب الفلسطيني وعلي رأسها حق تقرير المصير. وفي هذا الصدد أشار “أسامة حلبي” عضو الهيئة العامة لمركز “عدالة” في دراسته المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية لفلسطيني 48 مشيرا إلي أن إسرائيل تأسست كدولة يهودية دون اعتبار لوجود الفلسطينيين، وكذلك في ظل غياب دستور مكتوب يحدد العلاقة بين الغالبية اليهودية والأقلية العربية، وتحفظ الحقوق الدستورية لهذه الأقلية العربية بالإضافة لبعض القوانين والأنظمة التي تم سنها استنادا لحالة الطوارئ المستمرة منذ قيام إسرائيل . وقد أدت هذه القوانين والأنظمة إلي تهميش حقوق ومكانه المواطنين العرب سواء في تقييد حرياتهم أو في المساس بحقوق أخري كحق ضم أرض لملكية الدولة وتضييق الحيز الجغرافي المتاح لهم .

كما أشار إلي نصوص القوانين العنصرية بشأن الحصول علي المواطنة الإسرائيلية بهدف تقليص وإلغاء إمكانية الوجود القانوني في الوطن بالنسبة لعدد كبير من عرب 1948 والذين هم سكان البلاد الأصليين، مؤكدا أن المواطنة الكاملة مرتبطة بالانتماء القومي والديني اليهودي وبالمقابل المواطن العربي منقوصة وشكلية ولا يمكنها حماية صاحبها من سياسات التمييز القانوني والمؤسس ضده. في العاميين الماضيين قامت السلطات الإسرائيلية بإصدار قانون يهدف إلي منع مجموعات وأفراد سياسيين من دخول البرلمان، كما تم إضافة فقرة أخري للمادة والتي تحرم الأحزاب التي لم تعترف بأن إسرائيل دولة ديمقراطية والتي تتضمن منع أحزاب سياسية تتماثل في أهدافها مع منظمات تخريبية في إشارة إلي المتضامنين مع الانتفاضة تمهيدا لعدم ترشيحهم في الانتخابات البرلمانية . كما أوضحت بعض الدراسات أن الكنيست الإسرائيلي صمم علي إبقاء القوانين والأنظمة الانتدابية المتعلقة بالأرض والتي تخدم أهدفها في الاستيلاء علي ما تبقي من أراضي يملكها المواطنون العرب، كما أشارت الدراسات إلي استمرار إسرائيل في تسخير حزمة من القوانين لتأكيد الطابع اليهودي والعنصري للدولة وهو ما يشكل دليلا قاطعا علي زيف الادعاءات بأن إسرائيل هي دولة لجميع مواطنيها.

..ثانيا: علي الصعيد الاجتماعي – الاقتصادي

يعاني عرب إسرائيل منذ بداية الاحتلال من عبء سياسات التمييز وعدم المساواة والتي بدورها خلقت فجوات اقتصادية واجتماعية بين اليهود والعرب داخل إسرائيل . ويعد من ابرز سياسات التمييز التي تمارس ضد المجتمع العربي هي المتعلقة بالمخصصات المالية لتطوير الاقتصاد والبنية التحتية في المجالس المحلية، كما أن يعد أيضا حرمان الشباب العربي المؤهل من العمل والالتحاق بالمؤسسات العامة للدولة والشركات اليهودية من أهم المشكلات الاجتماعية التي عمقت الفجوة بين عرب إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي.  كثيرون في الأكاديمية والحكم المركزي والمحلي وفي المجتمع المدني، مشغولون علي مر السنين، وبشكل ملحوظ في العقد الأخير، في العمل علي دفع المساواة بين اليهود والعرب مواطني إسرائيل. وقد تم اختيار استراتجيات مختلفة من اجل تحقيق هذا الهدف وتطبيق هذه الاستراتجيات بطرق مختلفة من قبل جهات كثيرة. طبقت منذ أحداث أكتوبر 2000 عدة خطط حكومية منها ما هو علي نطاق صغير ومنها ما هو علي نطاق واسع مثل: الخطة متعددة السنوات لتطوير البلدات العربية (2001-2004) – (قرار الحكومة رقم 2467 الصادر في أكتوبر 2000 والمعروف باسم “خطة المليارات الأربعة لرئيس الحكومة إيهود باراك” وخطط حكومية مختلفة حول التمثيل الملائم للعرب في سلك خدمات الدولة، إلا أن في الواقع لم تطبق هذه الخطط بصورة كاملة. كما أجريت عشرات الدراسات والأبحاث التي تناولت مشكلة “عدم المساواة” كما نفذت منظمات المجتمع المدني مشاريع كثيرة هدفها دفع المساواة بين اليهود والعرب، وتتمثل هذه المشاريع في “نشاطات إعلامية لرفع الوعي بالتمييز ونشر أوراق عمل و أبحاث وتحليل لعدم المساواة” ولكن علي الرغم مكن كل هذه الجهود فإنه لم يطرأ أي تغيير ملموس علي الوضع، ولاتزال حالة عدم المساواة بين اليهود والعرب أخذة بالتفاقم.

في الحقيقة حكومية إسرائيل هي المسئول الأول عن عملية توزيع الموارد علي مجمل السكان داخل الدولة، لذلك فإن الفرضية التي ترتكز عليها هذه الوثيقة التابعة لجمعية سيكوي تقول أن مفتاح تطبيق المساواة بين اليهود والعرب يكمن في تغيير السياسة الحكومية، إلا أنه بالبحث وجد أن هناك عاملان رئيسيان من شأنهما تغيير سياسة الحكومة تجاه المواطنين العرب وهما: مؤسسات الحكم ومنظمات المجتمع المدني.

.. مشاكل في مجالي التعليم والرفاة الاجتماعي والإسكان

* في مجال التعليم:

أن صف التعليم في الوسط العربي أكثر اكتظاظا وحصول الطالب العربي علي عدد ساعات تعليمية أقل من الطالب اليهودي. المناهج التعليمية يتدخل في صياغتها القادة الإسرائيلية. حيث تستهدف السياسة العنصرية التعليمية العمل كمعول لهدم الثقافة والروح القومية والوطنية وفي مجال العربية لدي أبناء فلسطينيي 1948 داخل الكيان الصهيوني . ومن أساسيات تلك السياسة الإبقاء قدر الإمكان على أكبر عدد من العرب في حالة جهل مطبق كي لا يدركوا خطورة ما جري بهم . ويكفي استدعاء ما سبق وعبر عن أهمية سياسة تجهيل أبناء الأقلية العربية، تصريح ” اوري لويزاين المستشار السابق لرئيس حكومة الكيان الصهيوني للشئون العربية ” لو لم يكن ثمة طلاب عرب، لكان الوضع خيرا وأبقي ولو أن العرب بقوا حمالي حطب لربما كان أسهل لنا أن نتحكم فيهم ولكن ثمة أمور غير مرتبطة بالرغبة و لامناص من ذلك ” وتجدر الإشارة إلى أن النظام التربوي في ” إسرائيل ” يستند على قانونين هما قانون التعليم الإلزامي رقم 5709 لسنه 1949 وقانون التعليم الرسمي رقم 5713 لسنه 1953 .

وينص القانون الأول على أن التعليم الإلزامي يجب أن يشمل جميع الأطفال من سن 5 – 13 سنة وجميع الشباب الذين لم ينهوا دراستهم الابتدائية وجعل القانون التعليم الابتدائي مجانيا في المدارس الرسمية . في حين حدد القانون الثاني أهداف التعليم في ” إسرائيل ” ناصا ومؤكدا على أن ” هدف التعليم الحكومي هو إرساء الأسس التربوية على قيم اليهودية ( العنصرية الصهيونية . . . والولاء للدولة والشعب اليهودي)  . . وبموجب هذا القانون، جعلت جميع المؤسسات العلمية حكومية ويتولى وزير التربية والتعليم وضع المناهج لكل مؤسسة تعليمية رسمية أو غير رسمية، يهودية أو غير يهودية لضمان السيطرة التامة على كل ما يدرس في داخل الكيان الصهيوني . وعلى الصعيد النظري يعتبر العرب رعايا إسرائيليين من الناحية القانونية وبذلك أخضعوا لقوانين الدولة الإسرائيلية ” وصار القانونان هما أساس النظام الذي قام عليه تعليم العرب في هذا الكيان . وتتماثل مراحل التعليم العربي مع مراحل التعليم اليهودي وهي ثلاث : 1- مراحل التعليم الإلزامي والتي تنقسم إلى فترتين، رياض الأطفال، ثم تليها المرحلة الابتدائية، وتنتهي هذه المرحلة في سن 14 سنة ويعتبر العرب غير ملزمين بقانون التعليم الإلزامي، وتبعا لذلك فإن الكثير من الأطفال العرب لا يدخلون المدارس الابتدائية، وإذا دخلوها فهم لا يستمرون حتى نهاية المرحلة سواء بسبب الحالة الاقتصادية السيئة للمواطن العربي حيث يضطر الآباء إلى دفع أبنائهم على ترك مقاعد الدراسة والانخراط في سوق العمل الأسود والرخيص للحصول على لقمة العيش لإدامة الحياة . وتختلف نسبة الأطفال العرب غير المسجلين في المدارس أو الذين تركوا الدراسة باختلاف الأماكن فالمدن ليست مثل القرى .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى