سوف يندمُ المطبعون مع الاحتلال لأربعة أسباب
عبدالسلام فايز
ظن المطبعون أنهم بلغوا مراتب العلياء بعد توطيدهم للعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، واستبشروا خيراً بهذه الخطوة، لذلك كانت علامات الابتهاج واضحة جليةً على المُطبعين والإسرائيليين معاً، فبدأ السُياح الإسرائيليون يتوافدون جماعاتٍ جماعات إلى الدول العربية، وكأنهم في رحلة العمر الوحيدة، رغم أن هذه الرحلات عزاها البعض إلى كونِها مجرد تحركاتٍ صبيانية لا طائلَ منها، سوى استفزاز الفلسطينيين المحرومين من الدخول إلى تلك الدول إلا بشِق الأنفس، في حين رآها البعضُ الآخر مجرد (ماكياج) سوف يزول بعد أول زخةِ مطر، بل سوف يلوثُ وجهَ صاحبته، أيضاً سوف تندمُ، أو ربما ندمت الدولُ العربية التي طبّعت مع الاحتلال الإسرائيلي لأربعة أسباب:
أولها يعود إلى عدم جدوى الاتفاقيات السابقة التي وقعتها دول عربية مع الاحتلال، فماذا جنى الأردن من اتفاقية وادي عربة مع الاحتلال، سوى تراجعٍ ملحوظ في العلاقات بين الجانبين، وعَزْمِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ضم المزيد من أراضي غور الأردن وشمال البحر الميت، الأمر الذي دفع العاهل الأردني إلى الدخول إلى خط الرد أكثر من مرة، عندما هدد بالتحلل من اتفاقية وادي عربة، في حال أصر الاحتلال على هذه الخطوة، بالإضافة إلى الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية، من دون أخذ أي اعتبار لوصاية الأردن عليها، وهذا ما يُثبِت أن الالتزام بهذه الاتفاقية كان من الجانب الأردني فقط، في حين تنصل الإسرائيليون من الالتزامات المترتبة عليهم.
..اتفاقية كامب ديفيد
وفي السياق ذاتِه ماذا جنت مصر من اتفاقية كامب ديفيد، أو ماذا جنى أصحاب أوسلو من أوسلو، سوى السقوط في وحل الحقيقة الإسرائيلية القائمة على نقض العهود، وعدم تأدية الواجبات المترتبة عليها وتجاهل المجتمع الدولي.. ألم يتحلل أصحاب أوسلو أنفسُهم من أوسلو اليوم؟ وهذا ما يثبت عدم جدوى اتفاقيات السلام مع هذا المحتل الذي أقام أنقاض دولته على حساب الفلسطينيين، الذين شردهم في أصقاع الأرض.
السبب الثاني: للاحتلال الإسرائيلي تاريخٌ حافلٌ في اختراقِ سيادة الدول الحليفة والصديقة له، من خلال تنفيذه عمليات اغتيال ممنهجة، طالت مناضلين ومثقفين فلسطينيين بأساليب قذرة داخل هذه الدول، عبر استخدام جوازات سفر مزورة لتنفيذ تلك المهام، وربما يُعَاودُ هذه المحاولات مع الدول الصديقة الجديدة، بعد أن فتحت له أجواء البلاد، ظناً منها أنها تتعامل مع (دولة) تحترم سيادة الدول وقانونها، لكنها في حقيقة الأمر تتعامل مع ميليشيا أو كيان طارئ، لا يعبأُ كثيراً بما وقع عليه، وبما قطعه على نفسه من عـهودٍ ومواثيق.
ولعل المحاولة الإسرائيلية لاغتيال الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان هي خيرُ دليلٍ على ذلك، تلك المحاولة الجبانة التي نفذها الموساد داخل الأردن عام 1997 رغم وجود اتفاقية السلام بين الجانبين، حيث استخدم المنفذون جوازات سفر كندية مزورة لتنفيذ عملية الاغتيال، وهذا ما حصل، لكن المحاولة فشلت، بعد اعتقال بعض المنفذين من قبل مرافقي خالد مشعل، في حين تحصن الآخرون داخل مبنى السفارة الإسرائيلية في عمان، واضطر الاحتلال آنذاك إلى الانصياع لشروط الأردن، بعد فشل المحاولة واعتقال أصحابها، حيث تم إرسال المصل المضاد لإنعاش خالد مشعل الذي دخل في غيبوبة بعد أن طاله شيء من السم، كما تم الإفراج عن مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، الذي كان معتقلاً في سجون الاحتلال، ولهذا فإن الدول العربية التي طبعت مع الاحتلال الإسرائيلي هي معرضة اليوم لعملياتٍ شبيهة، حتى لو خلت أراضيها من المناضلين والمثقفين الفلسطينيين، إلا أن خبائث الاحتلال قد تطال أسماء لم تكن في الحسبان.
السبب الثالث: إن المتابع لتاريخ العلاقات الإسرائيلية يعي تماماً أن هؤلاء القوم معروفون بنكران الجميل وعدم إقامة أي وزن لصداقةٍ أو علاقةٍ أو حليف، وهم يتبعون سياسة المصالح المؤقتة، التي تكون مصحوبةً بالغزل والمدح في طليعةِ الأمر، ثم يبدأ التحلل رويداً رويداً، وصولاً إلى الخلاص، تماماً كما حدث عندما أزالَ بنيامين نتنياهو صورة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من حسابه على تويتر، بعد فترةٍ وجيزة من اقتحام الكونغرس الأمريكي، الأمر الذي وضع دونالد ترامب في مأزقٍ حرج بعدما تم التلويح بعزله ومحاكمته لافتعاله الأزمة وتحريضه على الشغب، وإلا.. لماذا يحذف نتنياهو الصورة بعد خسارة دونالد ترامب في الانتخابات مباشرةً؟ ولماذا لم يحذفها إلا بعد تراجع شعبية ترامب بسبب اقتحام الكونغرس، إلا لأنه علمَ يقيناً أن ترامب ماضٍ إلى غير رجعة، مُخلفاً وراءه تاريخاً سيئ الصيت، فلم يجد أسهل من التنصل والهروب، رغم أن الإنجازات التي قدمها ترامب للاحتلال، تفوق إنجازات كل الرؤساء الأمريكيين السابقين، فهو الذي وهبهم عاصمة أبدية، ومنحهم سيادة على الجولان السوري المحتل، وساق لهم دولاً عربية نحو التطبيع معهم، لكنهم لم يجدوا في ذلك عرفاناً أو مِنة.
وفي سياقٍ آخر يمكن القول إن التصريحات الإسرائيلية من شأنها التقليل من قيمة الحلفاء، وهذا يبدو واضحاً في تصريحات مديرة الصحة العامة لدى الاحتلال التي أساءت فيها للإمارات عندما حملتها مسؤولية ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا، وكأن الإمارات هي الوحيدة التي اجتاحها الوباء في هذا الكوكب، فقالت على سبيل السخرية، إن الذين ماتوا في أسبوعين من السلام مع الإمارات أكثر بكثير من الذين ماتوا في سنوات الحرب معها.
السبب الرابع: سوف يندم المُطبعون على فتحهم الحدود أمام السياح الإسرائيليين الذين لا يلتزمون بقانون، ولا يحترمون دولةً مضيفة، فتراهم على سبيل المثال يصورون في أماكن يُمنع فيها التصوير، فتعتقل الإمارات اثنين منهم. وترى مسؤوليهم يحملون على ظهورهم ثيابهم المتسخة إلى غسالات البيت الأبيض، كي يغسلوها هناك، ويصبح الأمر عادةً طبيعيةً بالنسبة لهم يفعلونها في كل رحلة، لدرجة أن عمال النظافة في البيت الأبيض أصبحوا يتعوذون بالله من طائرة نتنياهو وزوجته كلما حطت في المطار.
هؤلاء لا يعرفون عن الحضارة شيئاً سوى سرقة المناشف والصحون والمصابيح والأقلام من الفنادق، وعلب السكر والشاي، وأشياء كثيرة رخيصة كرخص الفاعلين، وهذا ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية نقلاً عن مدير فنادق دبي الذي عبّر عن امتعاضه الشديد من تصرفات السياح الإسرائيليين، تلك التصرفات التي تعاني منها الإمارات للمرة الأولى في حياتها، وكأن هؤلاء النفر من السياح قادمون من كوكبٍ آخر، أو إنهم يجيدون السرقة جيداً بعد أن اعتادوا عليها وشربوها مع لبن الأمهات، فمن سرقَ وطناً كاملاً هل سوف يتوانى عن سرقة ملعقة.
القدس العربي